تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معترك الاقران في اعجاز القرآن — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال ، وإن كان نبيئا لم يرضه المال ؛ وإنما يرضيه دخولنا في دينه . وقد أكثر الناس في وصف هذه الهدية ، تركناه لطوله ؛ فانظر هذا اللطف والسياسة من نبىّ اللّه سليمان في دعاية بلقيس إلى الإيمان ؛ فقدّم لها أولا الكتاب ، وقدم فيه اسمه على اسم اللّه ؛ لأنه واسطة بينه وبين اللّه ، ولما كان الأنبياء في البشرية من جبلّة المرسل إليهم ، وجنسهم في الظاهر ، واصطفاهم اللّه بعلمه وحكمته ، كانوا أكثر فهما وإدراكا . ولذلك قال لمن أتى بهديّة بلقيس « 1 » :
« فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ »
؛ فلما رأت ذلك منه خافت وفزعت وأسلمت مع سليمان . فإن قلت : كيف خفى على سليمان مكانها ، وكانت المسافة بين محله وبين بلدها قريبة ؛ وهي مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب ؟ فالجواب أن اللّه أخفى ذلك عنه لمصلحة رآها ، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب . فإن قلت : كيف قال الهدهد :
« وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ »
- مع قول سليمان :
« وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ »
، كأنه سوّى بينهما . والجواب فرق ما بينهما أنّ سليمان قال ذلك من المعجزات والنبوءة وأسباب الدين وأسباب الدنيا ؛ فهذا العطف على شكر مولاه وعطف الهدهد على الملك ، ولم يرد إلا ما أعطيته بلقيس من أسباب الدنيا اللائقة بحالها ؛ فبين الكلامين بون بعيد .
هامش
( 1 ) النمل : 36