وإن قدر على رفعها هو فهي له ؛ فوضع العصا على الأرض ، فجهد شعيب على رفعها فلم يقدر البتّة ، فتناولها موسى بيده ورفعها من وقته ، وظهرت منها معجزات كثيرة قدمناها . وكذلك بالخاتم الذي جعله اللّه العهد بينه وبين خلقه .
وخمس أوراق من التين التي كانت تستره : الواحدة أكلتها الظّباء فصارت مسكا ، والثانية أكلتها الحوت فصارت في بطنها عنبرا ، والثالثة أكلتها النحل فصارت عسلا . والرابعة الدود فصارت في بطنها إبريسما ، والخامسة جميع الأشجار التي في العالم .
والمقام جعله اللّه آية بيّنة ومصلّى للمسلمين .
فتأمل يا محمدىّ من اتّصف بالأمانة من عند اللّه ، وعند خلقه ؛ فإن اتصفت بها كم لك من تشريف ! ألا تراه يقول : ألست بربكم ؟ وقال « 1 » :
« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ »
. كأنه يقول : عبدي ليس لي حاجة لطاعتك وخدمتك ، ولكن أمرتك بالطاعة والعبادة ، وحملت عليك البلاء والمشقة ، وطلبت منك النفس والمال والطاعة في جميع الأحوال ؛ لتعلم أنّ مرادي منك الوصال ؛ وإنما جعلت الأعمال لقطع تهمة الكفار وطعنهم .
فإن قلت : يشترى أنفسهم وهي له ، ولم يقل قلوبهم .
والجواب إنما قال ذلك على طريق الانبساط ، كسيّد يقول لعبده : أقرضني كذا وكذا ، واشتر منّى كذا ، والمال والنفس له ؛ وإنما أراد أن يريه كمال لطافته بتمام محبّته ، وأىّ حاجة له في ثمن بيعك ، ولكن ليكون فخرك أكبر ، وتعلم أنه يحبّك ويرضاك ؛ لأن السيد لا يشترى العبد إلا لمحبته فيه ، ولا يرضاه
هامش
( 1 ) التوبة : 111