أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، وإنّ تحت كل حرف منه معاني لا يحيط « 1 » بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي ببدله بما يشتمل عليه ، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزّل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ، ولو جعل كلّه مما يروى باللفظ لشقّ ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف ، فتأمل .
وقد رأيت عن السلف ما يعضّد كلام الجويني « 2 » ؛ فأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق عقيل ، عن الزّهرى - أنه سئل عن الوحي فقال : الوحي ما يوحى اللّه إلى نبي من أنبيائه ، فيثبته في قلبه ، فيتكلم به ويكتبه ، وهو كلام اللّه . ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ، ولا يأمر بكتابته ؛ ولكن يحدّث به الناس حديثا ، ويبين لهم أن اللّه أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه .
فصل
وقد ذكر العلماء للوحي كيفيّات :
إحداها - أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس ، كما صح في مسند أحمد عن عبد اللّه بن عمرو « 3 » : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم : هل تحسّ بالوحي ؟
فقال : أسمع صلاصل . ثم أسكت عند ذلك ، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسي تقبض .
قال الخطابي : والمراد أنه صوت متداول « 4 » يسمعه ولا يتبيّنه « 5 » أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد .
هامش
( 1 ) في الاتقان : لا يحاط .
( 2 ) في ا : الخولي - تحريف .
( 3 ) في الاتقان : عمر .
( 4 ) في الاتقان : متدارك .
( 5 ) في الاتقان : ولا يتثبته .