ونقلت من خط شيخ الإسلام ابن حجر أن التّورية في القرآن قوله تعالى « 1 » :
« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ »
؛ فإن كافة بمعنى مانع ؛ أي يكفّهم عن الكفر والمعصية والهاء للمبالغة ، وهذا معنى بعيد ، والمعنى القريب المتبادر أن المراد جامعة ؛ أي جميعا ، لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد ، فكما لا تقول رأيت جميعا الناس لا تقول رأيت كافة الناس .
[ الاستخدام ]
ومنها الاستخدام ، وهو والتورية أشرف أنواع البديع ، وهما سيّان ؛ بل فضّله بعضهم عليها ، وله فيه عبارتان :
إحداهما - أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به أحد معانيه ، ثم يؤتى بضميره مرادا به المعنى الآخر ، وهذه طريقة السكاكى وأتباعه .
والأخرى أن يؤتى بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ، ومن الآخر الآخر ؛ وهذه طريقة بدر الدين بن مالك في المصباح ، ومشى عليه ابن أبي الإصبع « 2 » ؛ ومثّل له بقوله تعالى « 3 » :
« لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . . . »
الآية ؛ فلفظ كتاب يحتمل الأمد المحتوم والكتاب المكتوب ، فلفظ « أجل » يخدم المعنى الأول ، « ويمحو » يخدم المعنى الثاني .
ومثّل غيره بقوله تعالى « 4 » :
« لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى . . . »
الآية . فالصلاة يحتمل أن يراد بها فعلها وموضعها . وقوله تعالى « 4 » :
« حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ »
، يخدم الأولى ، و
«
« 4 »
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ »
يخدم الثاني .
هامش
( 1 ) سبأ : 28
( 2 ) بديع القرآن : 104
( 3 ) الرعد : 38
( 4 ) النساء : 43