وهي « 1 »
« أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ »
؛ فإن التقديم في الأولى قطعا ليس للاختصاص . وفي إياه قطعا للاختصاص .
وقال والده الشيخ تقى الدين في كتاب الاقتصاص « 2 » بين الحصر والاختصاص : اشتهر كلام الناس في أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص ، ومن الناس من ينكر ذلك ويقول : إنما يفيد الاهتمام . وقد قال سيبويه في كتابه : وهم يقدّمون ما هم به أعنى ؛ والبيانيون على إفادة الاختصاص .
ويفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر ، وليس كذلك ؛ وإنما الاختصاص شئ والحصر شئ آخر ، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظة الحصر ، وإنما عبّروا بالاختصاص . والفرق بينهما أن الحصر نفى غير المذكور وإثبات المذكور . والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه ؛ وبيان ذلك أن الاختصاص افتعال من الخصوص ، والخصوص مركب من شيئين : أحدهما عام مشترك بين شيئين أو أشياء . والثاني معنى منضمّ إليه يفصله عن غيره ؛ كضرب زيد ، فإنه أخص من مطلق الضرب . فإذا قلت ضربت زيدا أخبرت بضرب عام وقع منك على شخص خاص ، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصّا لما انضم إليه منك ومن زيد ؛ وهذه المعاني الثلاثة ؛ أعنى [ 33 ب ] مطلق الضرب ، وكونه واقعا منك ، وكونه واقعا على زيد ، قد يكون قصد المتكلم لها ثلاثتها على السواء .
وقد يترجّح قصده لبعضها على بعض ، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه ؛ فإن الابتداء بالشئ يدل على الاهتمام به ، وأنه هو الأرجح في غرض المتكلم ، فإذا قلت زيدا ضربت علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود .
هامش
( 1 ) الأنعام : 40 ، 41
( 2 ) في الاتقان : الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص .