على ما في ذهنه من الحصر ؛ أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة ، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها . وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر ، وهذا ممنوع .
وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام :
أحدهما : بما وإلا ، كقوله : ما قام إلا زيد - صريح في نفى القيام عن غير زيد ، ومقتض إثبات القيام لزيد ، قيل بالمنطوق ، وقيل بالمفهوم ، وهو الصحيح لكنه أقوى المفاهيم ؛ لأن « إلا » موضوعة للاستثناء وهو الإخراج ، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم ، ولكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام ، بل قد يستلزمه ؛ فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم ، والتبس على بعض الناس لذلك ، فقال : إنه بالمنطوق .
والثاني : الحصر بإنما ، وهو قريب من الأول فيما نحن فيه ، وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر ، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت : إنما قام زيد بالمنطوق ، ونفيه عن غيره بالمفهوم .
الثالث : الحصر الذي قد يفيده التقديم ، وليس على تقدير تسليمه مثل الحصر « 1 » في الأوّلين ، بل هو في قوة جملتين : إحداهما ما صدّر به الحكم نفيا كان أو إثباتا ، وهو المنطوق . والأخرى ما فهم من التقديم . والحصر يقتضى نفى المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم ؛ لأن المفهوم لا مفهوم له . فإذا قلت : أنه لا أكرم إلا إياك - أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره ، ولا يلزم أنك لا تكرمه . وقد قال تعالى « 2 » :
« الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً »
- أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية ، وهو ساكت عن نكاحه
هامش
( 1 ) في الإتقان : الحصرين .
( 2 ) النور : 3