قال أبو موسى الأشعري : نزلت ثم رفعت . وقال مكي : وهذا المثال فيه المنسوخ غير المتلوّ ، والناسخ أيضا غير متلو ، ولا أعلم له نظيرا .
الضرب الثاني : ما نسخ حكمه دون تلاوته ؛ وهذا الضرب [ 21 ا ] هو الذي فيه الكتب المؤلفة ، وهو على الحقيقة قليل جدا ، وإن أكثر الناس من تعديد الآيات فيه ؛ فإن المحققين منهم كالقاضي أبى بكر بن العربي ميز ذلك وأتقنه .
والذي أقوله : إن الذي أورده المكثرون أقسام :
قسم ليس من النسخ في شئ ، ولا من التخصيص ، ولا له علاقة بهما بوجه من الوجوه ؛ وذلك مثل قوله تعالى « 1 » :
« وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ »
. « « 2 » و
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ »
؛ ونحو ذلك ، قالوا : إنه منسوخ بآية الزكاة ، وليس كذلك ؛ بل هو باق . أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق ، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة ؛ كالإعانة والضيافة ، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة .
والآية الثانية تصح « 3 » كلها على الزكاة ؛ وقد فسرت بذلك .
وكذا قوله « 4 » :
« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ »
. قيل : إنها مما نسخ بآية السيف ، وليس كذلك ؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا ؛ لا يقبل هذا الكلام النسخ ، وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة .
وقوله في البقرة « 5 » :
« وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً »
- عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف . وقد غلطه ابن الحصّار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق ، فهو خبر ؛ فلا نسخ فيه . فقس على ذلك .
هامش
( 1 ) البقرة : 3
( 2 ) المنافقون : 10
( 3 ) في الإتقان : يصح حملها .
( 4 ) التين : 8
( 5 ) البقرة : 83