تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١

سورة الغاشية

1 - قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ . عامِلَةٌ ناصِبَةٌ .
قال ذلك هنا ، وقال بعده :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ
وليس بتكرار ، لأن الأول في الكفار ، والثاني في المؤمنين ، والمراد بالوجوه فيهما جميع الأبدان ، لأنّ ما ذكر من الأوصاف ، لا يختصّ بالوجوه ، فهو كقوله تعالى :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
[ طه : 111 ] ، أو المراد بها الأعيان والرؤساء ، كما يقال : هؤلاء وجوه القوم ، ويا وجه العرب . 2 - قوله تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . .
إلخ . إن قلت : كيف ارتبط هذا بما قبله ، وأيّ مناسبة بين الإبل والمعطوفات عليها حتى جمع بينهما ؟ قلت : أما الجواب عن الأول ؛ فلأنه لمّا وصف اللّه تعالى الجنة بما وصف ، عجب الكفّار من ذلك ، فذكّرهم غرائب صنعه ، ولأنه لمّا ذكر ارتفاع سررها . قالوا : كيف نصعدها ؟ فنزلت هذه الآية . أو المعنى : أفلا ينظرون إلى الإبل نظر اعتبار ؟ كيف خلقت للأثقال ، وحملها إلى البلاد البعيدة ، وبروكها لتحمّل ، ونهوضها بما حملته ، وسخّرت لكلّ من قادها ، حتى الصبيّ الصغير ، وأعطيت الصبر على العطش عشرة أيام فأكثر ، وجعلت ترعى كلّ نبات في المفاوز ، دون غيرها من الدوابّ ؟ وإنما لم يذكر الفيل ، والزّرافة ، والكركدن وغيرهما ، مما هو أعظم من الجمل ؛ لأن العرب لم يروا شيئا من ذلك ولا عرفوه . وأما الجواب عن الثاني ، فلأنّ الإبل كانت أنفس أموالهم وأكثرها ، وإنما جمع بينهما وبين ما بعدها ، لأنهما جاءا على وفق عادة العرب ، في انتفاعهم بالإبل أكثر ، ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب ، وذلك بنزول المطر من السماء ، فعطفها في الذّكر على الإبل . ثم لا بدّ لهم من حصن يتحصنون به ، ولا شيء في ذلك لهم كالجبال ، فعطفها على ما قبلها ، فإذا فتّش البدويّ في نفسه ، وجد هذه الأشياء حاضرة عنده على الترتيب المذكور ، بخلاف الحضري . " تمت سورة الغاشية " * * *
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن — صفحة 331 | زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري