تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
فإن قلت : لو كان المراد ذلك ، لما خفي على أفصح العرب ، وأعلمهم بأساليب الكلام ، حتى قال لما أنزلت هذه الآية : " لأزيدنّ على السبعين ، لعلّ اللّه أن يغفر لهم " قلت : لم يخف عليه ذلك ، وإنما أراد بما قال إظهار كمال رأفته ، ورحمته بمن بعث إليهم ، وفيه لطف بأمته وحثّ لهم على المراحم ، وشفقة بعضهم على بعض ، وهذا دأب الأنبياء عليهم السلام ، كما قال إبراهيم عليه السلام
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ إبراهيم : 36 ] . 25 - قوله تعالى :
وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
[ التوبة : 87 ] . قاله هنا بالبناء للمفعول ، وقال بعده :
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
بالبناء للفاعل ، لأن الأول تقدّمه مبنيّ للمفعول وهو قوله :
وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
والثاني تقدّمه ذكر اللّه مرّات ، فناسب بناء الأول للمفعول ، والثاني للفاعل ، ليناسب الفاعل ما قبله ، ثم ختم كلا منهما بما يناسبه ، فقال في الأول :
لا يَفْقَهُونَ
وفي الثاني :
لا يَعْلَمُونَ
لأنّ العلم فوق الفقه أي الفهم . 26 - قوله تعالى :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ التوبة : 94 ] قاله هنا ب
ثُمَّ
بحذف
وَالْمُؤْمِنُونَ
وقاله بعدها بالواو ، وبذكر
وَالْمُؤْمِنُونَ .
لأنّ الأول في المنافقين ، ولا يطّلع على ضمائرهم إلّا اللّه ، ثم رسوله باطلاع اللّه إياه عليها . والثاني في المؤمنين ، وطاعاتهم وعباداتهم ظاهرة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، وختم الأول بقوله :
ثُمَّ تُرَدُّونَ
ليفيد قطعه عمّا قبله ، لأنه وعيد . . وختم الثاني بقوله
وَسَتُرَدُّونَ
ليفيد وصله بما قبله لأنه وعد ، فناسب في الأول
ثُمَّ
وحذف
وَالْمُؤْمِنُونَ
وفي الثاني " الواو " وذكر
وَالْمُؤْمِنُونَ .
فإن قلت : السّين في
سَيَرَى اللَّهُ
للاستقبال ، والرؤية بمعنى العلم ، واللّه تعالى عالم بعلمهم حالا ومآلا ، فكيف جمع بينهما ؟ ! قلت : معناه في حقّ اللّه ، أنه سيعلمه واقعا مآلا ، كما علمه غير واقع حالا ، لأن اللّه تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه ، فيعلم الواقع واقعا ، وغير الواقع غير واقع ، أمّا في حقّ الرسول فهو على ظاهره . 27 - قوله تعالى :
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن — صفحة 124 | زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري