تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
كان في ناحية الكوفة ، وكان الشعبيّ يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة ، وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان فوران الماء منه علما لنوح . وقال مقاتل : كان تنور آدم عليه السّلام وكان بالشأم بموضع يقال له عين وردة . وروي عن ابن عباس أنه كان بالهند ، ومعنى فار نبع على قوّة وشدّة تشبيها بغليان القدر عند قوّة النار ، ولا شبهة أنّ التنور لا يفور . والمراد : فار الماء من التنور فلما فار أمر اللّه تعالى نوحا عليه السّلام أن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء : الأول : قوله تعالى :
قُلْنَا احْمِلْ فِيها
أي : السفينة
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
والزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، والتقدير : من كل شيئين هما كذلك ، فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر وواحد أنثى . وفي القصة أنّ نوحا عليه السّلام قال : يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين ، فحشر اللّه تعالى إليه السباع والطير ، فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى ، فيحملهما في السفينة . وقرأ حفص بتنوين لام كل ، أي : واحمل من كل شيء زوجين اثنين : الذكر زوج والأنثى زوج . فإن قيل : ما الفائدة في قوله :
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
والزوجان لا يكونان إلا اثنين ؟ أجيب : بأنّ هذا على مثال قوله تعالى :
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ
[ النحل ، 51 ] . وقوله تعالى :
نَفْخَةٌ واحِدَةٌ
[ الحاقة ، 13 ] والباقون بغير تنوين فهذا السؤال غير وارد . النوع الثاني من الأشياء التي أمر اللّه تعالى نوحا عليه السّلام أن يحملها في السفينة قوله تعالى :
وَأَهْلَكَ
وهم أبناؤه وزوجته . وقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
بأنه من المغرقين وهو ابنه كنعان وأمّه راعلة وكانا كافرين حكم اللّه تعالى عليهما بالهلاك بخلاف سام وحام ويافث وزوجاتهم ثلاثة وزوجته المسلمة . فإن قيل : الإنسان أشرف من سائر الحيوانات فلم بدأ بالحيوان ؟ أجيب : بأنّ الإنسان عاقل فهو لعقله مضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات فلهذا السبب وقع الابتداء به . النوع الثالث من الأشياء التي أمر اللّه تعالى نوحا عليه السّلام بحملها في السفينة قوله تعالى :
وَمَنْ آمَنَ
أي : واحمل معك من آمن معك من قومك ، واختلف في العدد الذي ذكره اللّه تعالى في قوله تعالى :
وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
فقال قتادة وابن جريج : لم يكن معه في السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته المسلمة وثلاثة بنين له هم : سام وحام ويافث ونساؤهم . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم نوح وبنوه الثلاثة وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا . وقال مجاهد : كانوا اثنين وسبعين نفرا رجلا وامرأة . وعن ابن عباس قال : كان في سفينة نوح ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء . وقال الطبري : والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال اللّه تعالى :
وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
فوصفهم بالقلة فلم يحد عددا بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد اللّه تعالى ، إذ لم يرد عدد في كتاب اللّه تعالى ، ولا في خبر صحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتقدّم نحو ذلك عن الرازي . وقال مقاتل : حمل نوح معه في السفينة جسد آدم عليه السّلام فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد نوح عليه السّلام جميع الدواب والطير ليحملها . قال ابن عباس أوّل ما حمل نوح الدرّة ، وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار أدخل صدره وتعلق إبليس بذنبه فلم