وروي عن أنس : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة . وقيل : إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السّلام : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدّثنا عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى بهم إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب فقال : أتدرون من هذا ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم .
قال : كعب بن حام ، قال : فضرب الكثيب بعصاه فقال : قم بإذن اللّه ، فإذا هو قائم ينفض عن رأسه التراب وقد شاب ، فقال له عيسى عليه السّلام : هكذا هلكت . قال : لا ولكن مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال : حدّثنا عن سفينة نوح ؟ قال : كان طولها ألف ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات ؛ طبقة للدواب والوحوش وطبقة للإنس وطبقة للطير ، ثم قال له : عد بإذن اللّه تعالى كما كنت فعاد ترابا . قال البغوي : والمعروف أن طولها ثلاثمائة ذراع . وعن زيد بن أسلم قال : مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ومائة سنة يعمل الفلك .
وعن كعب الأحبار : أنّ نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة . وروي أنها كانت ثلاث طبقات :
الطبقة السفلى للدواب والوحوش ، والطبقة الوسطى فيها الإنس ، والطبقة العليا فيها الطير ، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى اللّه تعالى إلى نوح عليه السّلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث ، ولما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرض حبالها ؛ أوحى اللّه تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهو القط فأقبلا على الفأر فأكلاه . قال الرازي : واعلم أنّ أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة ، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة البتة ، فكان الخوض فيها من باب الفضول ، لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح ، والذي نعلمه أنها كانت في السعة بحيث تسع المؤمنين من قومه ، وما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان ؛ لأنّ هذا القدر مذكور في القرآن . وما آمن معه إلا قليل ، فأما تعيين ذلك القدر فغير معلوم .
قالَ
لهم لما سخروا منه
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ
إذا نجونا وغرقتم . فإن قيل : السخرية لا تليق بمنصب النبوّة ؟ أجيب : بأنّ ذلك ذكر على سبيل الأزدواج في مشاكلة الكلام كما في قوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى ، 40 ] والمعنى إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم ، وهو قوله تعالى :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ
أي : يهينه في الدنيا وهو الغرق
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ
في الآخرة
عَذابٌ مُقِيمٌ
وهو النار التي لا انقطاع لها .
وقوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا
أي : بإهلاكهم غاية لقوله ويصنع الفلك ، وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام . واختلف في التنور في قوله تعالى :
وَفارَ التَّنُّورُ
فقال عكرمة والزهريّ : هو وجه الأرض . وذلك أنه قيل لنوح عليه السّلام : إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة . وروي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال : فار التنور وقت طلوع الفجر ونور الصبح . وقال الحسن ومجاهد والشعبيّ : إنه التنور الذي يخبز فيه .
وهو قول أكثر المفسرين ورواية عطية وابن عباس : لأنه حمل الكلام على حقيقته ، ولفظ التنور حقيقته هو الموضع الذي يخبز فيه وهو قول أكثر المفسرين فوجب حمل اللفظ عليه ، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال : إنه تنور لنوح . ومنهم من قال : إنه كان لآدم عليه السّلام . قال الحسن :
كان تنورا من حجارة كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح فقيل لنوح عليه السّلام : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب السفينة أنت وأصحابك . واختلفوا أيضا في موضعه فقال مجاهد والشعبيّ :