تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرّت بالبيت العتيق ، وقد رفعه اللّه تعالى من الغرق وبقي موضعه ، فطافت به السفينة سبعا . وأودع الحجر الأسود في جبل أبي قبيس ، وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح وأمر من معه بصيامه شكرا للّه تعالى . وبنوا قرية بقرب الجبل وسميت سوق ثمانين فهي أوّل قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان . وقيل : إنه لم ينج أحد من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق وكان الماء يصل إلى حجزته وهذا لا يأتي على القول بإطباق الماء . قال هذا القائل : وسبب نجاته أنّ نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله ، فحمله عوج إليه من الشام فنجاه اللّه تعالى من الغرق بذلك . فإن قيل : كيف أغرق اللّه تعالى من لم يبلغ الحلم من الأطفال ؟ أجيب : بأنه تعالى يتصرف في خلقه لا يسئل عما يفعل . وقيل : إنّ اللّه تعالى أعقم أرحام نسائهم أربعمائة سنة فلم يولد لهم تلك المدّة .
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ
أي : دعاه وسأله
فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ
أي : الصدق الذي لا خلف فيه
وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
لأنك أعلمهم وأعدلهم . فإن قيل : إذا كان النداء هو قوله ربّ فكيف عطف
فَقالَ رَبِّ
على
نادى
بالفاء ؟ أجيب : بأن الفاء تفصيل لمجمل نادى ، مثلها في : توضأ فغسل . وقيل :
نادى ،
أي : أراد نداءه فقال رب .
قالَ
اللّه تعالى له
يا نُوحُ إِنَّهُ
أي : هذا الابن الذي سألت نجاته
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
أي : المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره ، ولهذا علل بقوله تعالى :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
وقرأ الكسائي بكسر الميم ونصب اللام بغير تنوين ونصب الراء ، أي : عمل الكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح والباقون بفتح الميم ورفع اللام منونة ورفع الراء ، أي : ذو عمل غير صالح أو صاحب عمل غير صالح ، فجعل ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة ترتع « 1 » :
فإنما هي إقبال وإدبار
واختلف علماء التفسير هل كان ذلك الولد ابن نوح أو لا على أقوال : الأوّل : وهو قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرين : إنه ابنه حقيقة ويدل عليه أنه تعالى نص عليه فقال :
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
ونوح أيضا نص عليه فقال :
يا بُنَيَّ
وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه وأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة . القول الثاني : أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر ، وقول الحسن البصري . والقول الثالث : وهو قول مجاهد والحسن : أنه ولد حنث ولد على فراشه ولم يعلم نوح بذلك ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط
فَخانَتاهُما
[ التحريم ، 10 ] . قال الرازي : وهذا قول واه حيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو خلاف نص القرآن . وقد قيل لابن
هامش
( 1 ) صدره :ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرتوالبيت من البسيط ، وهو للخنساء في ديوانها ص 383 ، والأشباه والنظائر 1 / 198 ، وخزانة الأدب 1 / 431 ، 2 / 34 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 282 ، والشعر والشعراء 1 / 354 ، والكتاب 1 / 337 ، ولسان العرب ( رهط ) ، ( قبل ) ، ( سوا ) ، والمقتضب 4 / 305 ، والمنصف 1 / 197 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 387 ، و 4 / 68 ، وشرح الأشموني 1 / 213 ، وشرح المفصل 1 / 115 ، والمحتسب 2 / 43 .