جادَلْتَنا
أي : خاصمتنا
فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا
أي : فأطنبت فيه ، وهذا يدل على أنه عليه السّلام كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوّة والمعاد ، وهذا يدل على أنّ الجدال في تقرير الدلائل ، وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وعلى أنّ التقليد والجهل حرفة الكفار ، والثاني : ما ذكره اللّه تعالى عنهم بقوله :
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
أي : من العذاب
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
في الدعوى والوعيد فإنّ مناظرتك لا تؤثر فينا .
قالَ
لهم نوح عليه السّلام في جواب ذلك
إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ
تعجيله لكم فإن أمره إليه إن شاء عجله ، وإن شاء أخره لا إليّ
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
أي : بفائتين اللّه تعالى .
ولما أجاب نوح عليه السّلام عن شأنهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة فقال :
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
أي : يضلكم وجواب الشرط محذوف دل عليه
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي .
وتقدير الكلام : إن كان اللّه يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي ، فهو من باب اعتراض الشرط على الشرط ونظير ذلك ما لو قال رجل لزوجته : أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيدا ، فدخلت ثم كلمت لم تطلق فيشترط في وجوب الحكم وقوع الشرط الثاني قبل وقوع الأوّل . وفي الآية دليل على أنّ اللّه تعالى قد يريد الكفر من العبد فإنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه
هُوَ رَبُّكُمْ
أي : خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فيجازيكم على أعمالكم قال تعالى :
أَمْ
أي : بل
يَقُولُونَ افْتَراهُ
أي : اختلقه وجاء به من عند نفسه ، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم
قُلْ
لهم
إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي
وهذا من باب حذف المضاف ؛ لأنّ المعنى فعليّ إثم إجرامي ، والإجرام اقتراف المحظور . وفي الآية محذوف آخر وهو أنّ المعنى إن كنت افتريته فعليّ عقاب جرمي وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب ، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليها
وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ
أي : من عقاب جرمكم في إسناد الافتراء إليّ .
تنبيه : أكثر المفسرين على أنّ هذا من بقية كلام نوح عليه السّلام مع قومه . وقال مقاتل :
أَمْ يَقُولُونَ
أي : المشركون من كفار مكة : افتراه ، أي : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم اختلق القرآن من عند نفسه . وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في أثناء قصة نوح عليه السّلام . قال الرازي : وقوله بعيد جدّا .
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ
أي : لن يستمرّ على الإيمان لقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
قال ابن عباس : إنّ قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات ، فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى اللّه تعالى . وروي أنّ شيخا منهم جاء متوكئا على عصاه ومعه ابنه فقال لابنه : لا يغوينك هذا الشيخ المجنون فقال : يا أبتاه مكني من العصا فأخذها من أبيه وضرب بها نوحا عليه السّلام حتى شجه شجة منكرة ، فأوحى اللّه تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن
فَلا تَبْتَئِسْ
أي : لا تحزن عليهم فإني مهلكهم
بِما
أي :
بسبب ما
كانُوا يَفْعَلُونَ
من الشرك وننقذك منهم ، فحينئذ دعا عليهم نوح عليه السّلام فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح ، 26 ] . وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي :
إنه بلغه أنهم يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، حتى تمادوا في المعصية ، واشتدّ عليه منهم البلاء ، وهو ينظر من الجيل إلى الجيل ، فلا يأتي قرن إلا كان أنجس من الذين قبلهم ، ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول : قد كان هذا