تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
تستقل رجلاه فجعل نوح يقول : ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال : ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك ، كلمة زلت على لسانه ، فلما قالها خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح : ما أدخلك عليّ يا عدوّ اللّه ؟ قال : ما لك بد أن تحملني معك فكان معه على ظهر السفينة . هكذا نقله البغويّ . قال الرازيّ : وأمّا الذي يروى أنّ إبليس دخل السفينة فبعيد لأنّه من الجنّ وهو جسم ناري أو هوائي ، فكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب اللّه تعالى لم يدل عليه ولم يرد في ذلك خبر صحيح فالأولى ترك الخوض في ذلك . قال البغويّ : وروي أنّ بعضهم قال : إنّ الحية والعقرب أتيا نوحا عليه السّلام فقالتا احملنا معك ، فقال : إنكما سبب البلاء فلا أحملكما فقالتا : احملنا فإنا نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك . فمن قرأ حين يخاف مضرتهما
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
[ الصافات ، 79 ] لم يضراه . وقال الحسن : لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض ، فأمّا ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا .
وَقالَ
نوح لمن معه
ارْكَبُوا
أي : صيروا
فِيها
أي : السفينة وجعل ذلك ركوبا ؛ لأنها في الماء كمركوب في الأرض ، وقوله تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
متصل باركبوا حال من الواو في اركبوا ، أي : اركبوا فيها مسمين اللّه أو قائلين بسم اللّه وقت اجرائها وارسائها . قال الضحاك : كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال : بسم اللّه جرت ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم اللّه رست . وقرأ حفص وحمزة والكسائي بنصب الميم من جرت ورست ، أي : جريها ورسوها وهما مصدران ، والباقون بضم الميم من أجريت وأرسيت أي : بسم اللّه إجراؤها وإرساؤها وأمال الألف بعد الراء أبو عمرو وحفص وحمزة والكسائي محضة وورش بين اللفظين والباقون بالفتح ، وذكروا في عامل الإعراب في بسم اللّه وجوها : الأوّل : اركبوا بسم اللّه ، الثاني : ابدؤوا بسم اللّه ، الثالث : بسم اللّه إجراؤها
إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم . وقوله تعالى :
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ
متعلق بمحذوف دلّ عليه اركبوا ، أي : فركبوا مسمين اللّه تعالى وهي تجري وهم فيها
فِي مَوْجٍ
وهو ما ارتفع من الماء إذا اشتدّت عليه الريح
كَالْجِبالِ
في عظمه وارتفاعه على الماء ، قال العلماء : بالسير أرسل اللّه تعالى المطر أربعين يوما وليلة . وخرج الماء من الأرض فذلك قوله تعالى :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
[ القمر ، 11 ، 12 ] فصار الماء نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا ، وقيل : خمسة عشر ذراعا حتى أغرق كل شيء ، وروي أنه لما كثر الماء في السكك خافت امرأة على ولدها من الغرق وكانت تحبه حبا شديدا فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبيّ بيديها حتى ذهب بهما الماء ، فلو رحم اللّه تعالى منهم أحدا لرحم هذه المرأة . وما قيل من أنّ الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كما تسبح السمكة فليس بثابت . قال البيضاويّ : والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعا . فإن صح ، أي : أنه طبق ما بين السماء والأرض فلعل ذلك أي : ما ذكر من علو الموج قبل التطبيق
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ
كنعان وكان كافرا كما مرّ ، وقيل : اسمه يام
وَكانَ فِي مَعْزِلٍ
عزل فيه نفسه إمّا عن أبيه أو دينه ولم يركب معه ، وإمّا
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 66 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين