تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ
أي : من جرمها وهو ظاهر اللفظ وعليه أكثر المفسرين أو من السحاب وسماه سماء لعلوه
ماءً بِقَدَرٍ
أي : بقدر ما يكفيهم لمعاشهم في الزرع والغرس والشرب وأنواع المنفعة ، ويسلمون معه من المضرة إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار ، ولو كان دون ذلك لأدّى إلى جفاف النبات والأشجار
فَأَسْكَنَّاهُ
أي : فجعلناه ثابتا مستقرا
فِي الْأَرْضِ
كقوله تعالى :
فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
[ الزمر ، 21 ] ، وعن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنّ اللّه تعالى أنزل من الجنة خمسة أنهار سيحون نهر الهند ، وجيحون نهر بلخ ، ودجلة والفرات نهرا العراق ، والنيل نهر مصر أنزلها اللّه تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض ، وجعل فيها منافع للناس من أصناف معايشهم ، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللّه تعالى جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت ، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه ، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء » « 1 » وذلك قوله تعالى :
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
قدرة هي في نهاية العظمة ، فإنّا كما قدرنا على إيجاده واختراعه نقدر على رفعه وإزالته وزواله ، فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا ؛ قال البغوي : وروى هذا الحديث الإمام الحسن بن سفيان عن عثمان بن سعيد عن سابق الإسكندري عن سلمة بن علي عن مقاتل بن حبان . تنبيه : في تنكير ذهاب إيماء إلى تكثير طرقه ، وفيه إيذان باقتدار المذهب وأنه لا يتعايا عليه شيء إذا أراده ، وهو أبلغ في الإيعاد من قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
[ الملك ، 30 ] ، فعلى العباد أنّ يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم ، ويخافوا نفادها إذا لم تشكر . ثم إنه تعالى سبحانه لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء ذكر بعده هذه النعمة الحاصلة من الماء بقوله تعالى :
فَأَنْشَأْنا
أي : فأخرجنا وأحيينا
لَكُمْ
خاصة لا لنا
بِهِ
أي : بذلك الماء الذي جعلنا منه كل شيء حي
جَنَّاتٍ
أي : بساتين
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
صرح بهذين الصنفين لشرفهما ولأنهما أكثر ما عند العرب من الثمار ، وسمى الأوّل باسم شجرته لكثرة ما فيها من المنافع المقصودة بخلاف الثاني ، فإنه المقصود من شجرته ، وأشار إلى غيرهما بقوله تعالى :
لَكُمْ
أي : خاصة
فِيها
أي : الجنات
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ
تتفكهون بها
وَمِنْها
أي : ومن الجنات من ثمارها وزروعها
تَأْكُلُونَ
رطبا ويابسا وتمرا وزبيبا . وقوله تعالى :
وَشَجَرَةً
عطف على جنات أي : وأنشأنا لكم شجرة أي : زيتونة
تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ
وهو الجبل الذي كلم اللّه تعالى عليه موسى بن عمران بين مصر وإيلة ، وقيل : بفلسطين ، وفي رواية أخرى : طور سينين ، ولا يخلو إما أنّ يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء أو سينين ، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس ، وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء وهو نافع وابن كثير وأبو عمرو ، فقد منع الصرف للتعريف والعجمة والتأنيث لأنها بقعة ، وفعلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ، ومن قرأ بفتح السين وهم الباقون
هامش
( 1 ) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء 1525 .