تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
العقاب الذي كنا نستأصل الأمم به ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم إظهارا لشرفك ، وإعلاء لقدرك ، ثم نردّ كثيرا منهم إلى دينك ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في إشراك المحال ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع اللّه تعالى الأوّلين والآخرين ، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدّة ما هم فيه يطلبون من يشفع لهم فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة والسّلام ، فيحيل بعضهم على بعض وكل منهم يقول : لست لها حتى يأتوه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول : « أنا لها » ، ويقوم معه لواء الحمد ، فيشفعه اللّه تعالى ، وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الخلق أجمعين . ولما أورد تعالى على الكفار الحجج في أن لا إله سواه وبيّن أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بأمره صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أي : ما يوحى إلي في أمر الإله إلا وحدانيته وما إلهكم إلا إله واحد لم يوح إلي فيما تدّعون من الشركة غير ذلك فالأوّل من قصر الصفة على الموصوف ، والثاني : من قصر الموصوف على الصفة والمخاطب بهما من يعتقد الشركة فهو قصر قلب ، وقال الزمخشري : إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك : إنما زيد قائم ، وإنما يقوم زيد ، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية ؛ لأن إنما يوحي إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد وإنما إلهكم إله واحد بمنزلة إنما زيد قائم ، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقصور على استئثار اللّه تعالى بالوحدانية انتهى . ولما كان الوحي الوارد على هذه السنن موجبا أن يخلصوا التوحيد للّه تعالى قال صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
أي : منقادون لما يوحى إلي من وحدانية الإله ، والاستفهام بمعنى الأمر أي : أسلموا .
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي : لم يقبلوا ما دعوتهم إليه
فَقُلْ
أي : لهم
آذَنْتُكُمْ
أي : أعلمتكم بالحرب كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة ، فنبذ إليهم العهد وأشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك ، وقوله :
عَلى سَواءٍ
حال من الفاعل والمفعول أي : مستوين في الإعلام به لم أطوه عن أحد منكم ولا أستبدّ به دونكم لتتأهبوا
وَإِنْ
أي : وما
أَدْرِي أَ قَرِيبٌ
جدّا بحيث يكون قربه على ما يتعارفونه
أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ
من غلب المسلمين عليكم أو عذاب اللّه أو القيامة المشتملة عليه ، وإنّ ذلك كائن لا محالة ولا بدّ أن يلحقكم بذلك الذلة والصغار ، وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك ؛ لأنّ اللّه تعالى لم يعلمني علمه ، ولم يطلعني عليه ، وإنما يعلمه اللّه تعالى .
إِنَّهُ
تعالى
يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ
أي : مما يجهرون به من العظائم وغير ذلك ، ونبه تعالى على ذلك فإنّ من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين ، فأعلم سبحانه وتعالى أنه لا يشغله صوت عن آخر ، ولا يفوته شيء من ذلك ولو كثر
وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ
مما تضمرونه في صدوركم من الأحقاد للمسلمين ، ونظير ذلك قوله تعالى في أول السورة :
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الأنبياء ، 4 ] ومن لازم ذلك من المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل فستعلمون كيف تخيب ظنونكم ويتحقق ما أقول فتنطقون حينئذ بأني صادق ولست بساحر ولا شاعر ولا كاهن ، فهو من أبلغ التهديد ، فإنه لا أبلغ من التهديد بالعلم ، ولما كان الإمهال قد يكون نعمة وقد يكون نقمة قال :