تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه أي بقدرته ، حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة ، وروي عن ابن عباس أنه قال : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بموعظة فقال : « أيها الناس إنّكم محشورون إلى اللّه حفاة عراة غرلا » « 1 » أي : غير مختونين
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
أي : كما بدأناهم في بطون أمهاتهم عراة غرلا غير مختونين نعيدهم يوم القيامة ؛ نظيره قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام ، 94 ]
وَعْداً
وأكد ذلك بقوله تعالى
عَلَيْنا
وزاده بقوله تعالى :
إِنَّا كُنَّا
أي : أزلا وأبدا على حالة لا تحول
فاعِلِينَ
أي : شأننا أن نفعل ما نريد لا كلفة علينا في شيء من ذلك . ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
قال سعيد بن جبير ومجاهد الزبور جميع كتب اللّه تعالى المنزلة والذكر أمّ الكتاب الذي عنده ، ومعناه من بعدما كتب ذكره في اللوح المحفوظ ، وقال ابن عباس والضحاك : الزبور والتوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة ، وقال الشعبي : الزبور كتاب داود والذكر التوراة ، وقيل : الزبور كتاب داود ، والذكر القرآن ، وبعد بمعنى قبل كقوله تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ
[ الكهف ، 79 ] أي : أمامهم ، وقوله تعالى :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات ، 30 ] أي : قبله ، وقرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها
أَنَّ الْأَرْضَ
أي : أرض الجنة
يَرِثُها عِبادِيَ
وحقق ذلك ما أفادته إضافتهم إليه بقوله تعالى :
الصَّالِحُونَ
أي : المتحققون بأخلاق أهل الذكر ، المقبلون على ربهم الموحدون له ، المشفقون من الساعة ، الراهبون من سطوته ، الراغبون في رحمته ، الخاشعون له ، فهذا عام في كل صالح ، وقال مجاهد : يعني أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم دليله قوله تعالى :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
[ الزمر ، 74 ] وقال ابن عباس : أراد أنّ أراضي الكفار يفتحها المسلمون ، وهذا حكم من اللّه تعالى بإظهار الدين وإعزاز المسلمين ، وقيل : أراد بالأرض الأرض المقدسة ، وقيل : أراد جنس الأرض الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه اللّه تعالى ، وجرى على هذا البقاعي في تفسيره ، وقرأ حمزة بسكون الياء ، والباقون بفتحها .
إِنَّ فِي هذا
أي : القرآن كما قاله البغوي
لَبَلاغاً
أي : وصولا إلى البغية ، فإن من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب ، وقيل : بلاغا أي : كفاية يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي : كفاية ، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر ، وقال الرازي : هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة
لِقَوْمٍ عابِدِينَ
أي : عاملين به ، وقال ابن عباس : عالمين ، قال الرازي : والأولى أنهم الجامعون بين أمرين ؛ لأن العلم كالشجرة ، والعمل كالثمر والشجر بدون الثمر غير مفيد ، والثمر بدون الشجر غير كائن ، وقال كعب الأحبار هم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الصلوات الخمس ، وشهر رمضان . ولما كان هذا مشيرا إلى إرشادهم فكان التقدير فما أرسلناك إلا لإسعادهم عطف عليه قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ
أي : على حالة من الأحوال
إِلَّا
على حال كونك
رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
كلهم أهل السماوات وأهل الأرض من الجنّ والإنس وغيرهم طائعهم بالثواب وعاصيهم بتأخير
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .