تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
مضافا إلى فاعله ، ويصح أن يكون إلى المفعول فيه على طريق الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى :
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ سبأ ، 33 ] ، وهي الزلزلة المذكورة في قوله تعالى :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
[ الزلزلة ، 1 ] واختلف في وقتها ، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة ، وعن علقمة والشعبي عند طلوع الشمس من مغربها الذي هو أقرب للساعة
شَيْءٌ عَظِيمٌ
أي : أمر كبير وخطر جليل وحادث هائل لا تحتمل العقول وصفه وهذا للزلزلة نفسها ، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بدّ لكم من الحشر فيه إلى اللّه تعالى ليجازيكم على ما كان منكم لا ينسى منه نقير ولا قطمير .
يَوْمَ تَرَوْنَها
أي : الزلزلة أو الساعة ، أو كل مرضعة أضمرها قبل الذكر تهويلا للأمر ، وترويعا للنفس
تَذْهَلُ
بسبب ذلك
كُلُّ مُرْضِعَةٍ
أي : بالفعل أي : تنسى وتغفل حائرة مدهوشة ، والعامل في يوم تذهل . فإن قيل : لم قال تعالى :
مُرْضِعَةٍ ،
ولم يقل : مرضع ؟ أجيب : بأن المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للطفل والمرضع التي شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وضعها ، فقال : مرضعة ليدل على أنّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت ثديها تنزعه من فيه لما يلحقها من الدهشة
عَمَّا أَرْضَعَتْ
عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته ، وهو الطفل ، فما إمّا مصدرية أو موصولة
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
أي : تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا . تنبيه : هذا ظاهر على القول الثاني وهو قول علقمة والشعبيّ على أنّ ذلك يكون عند طلوع الشمس من مغربها ، وأمّا على القول الأوّل وهو قول الحسن على أنّ ذلك يوم القيامة كيف يكون ذلك ؟ فقيل : هو تصوير لهولها ، قاله البيضاوي ، وقال البقاعي في المرضعة : هي من ماتت مع ابنها رضيعا ، وفي ذات الحمل : من ماتت حاملا ، فإنّ كل أحد يقوم على ما مات عليه ، وهذا أولى فإني في حال كتابتي في هذا المحل حضر عندي سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفعنا اللّه تعالى ببركته ، فذكرت له هذين القولين ، فانشرح صدره لترجيح هذا الثاني ، وذلك يوم تاسوعاء من شهر اللّه المحرّم سنة ست وخمسين وتسعمائة ، وعن الحسن تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام . ويؤيد أنّ هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه عز وجل يوم القيامة : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك - زاد في رواية والخير في يديك - فينادى بصوت إنّ اللّه يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ؛ قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، فحينئذ تضع الحوامل حملها ، ويشيب الوليد وساق بقية الآية » « 1 » ، وهي
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
أي : لما هم فيه من الدهشة والحيرة ، ثم بيّن اللّه تعالى أنّ ذلك ليس بسكر حقيقة بقوله تعالى :
وَما هُمْ بِسُكارى
أي : من الشراب ، ولما نفى أن يكونوا سكارى من الشراب أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة بقوله :
وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ
ذي العزة والجبروت
شَدِيدٌ
فهو الذي أوجب أن يظن بهم السكر ؛ لأنّ هوله أذهب عقولهم وطيّر تمييزهم ، تم الحديث عند آخر الآية ، « فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم زاد في رواية
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3348 ، ومسلم في الإيمان حديث 222 .