تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 103 إلى 112 ]

لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 ) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ( 110 ) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 111 ) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 112 )
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
أي : حركتها البالغة وصوتها الشديد ، فكيف بما دونه ؛ لأنّ الحس مطلق الصوت أو الصوت الخفي كما قاله البغوي ، فإذا زادت حروفه زاد معناه ، فذكر ذلك بدلا من مبعدون أو حال من ضميره للمبالغة في إبعادهم عنها
وَهُمْ
أي : الذين سبقت لهم منا الحسنى
فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ
في الجنة كما قال تعالى :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[ الزخرف ، 71 ] والشهوة طلب النفس اللذة
خالِدُونَ
أي : دائما أبدا في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به . فائدة : في هنا مقطوعة من ما ولما كان معنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال أكده بقوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
قال الحسن : هو حين يؤمر بالعبد إلى النار ، وقال ابن عباس : هو النفخة الأخيرة لقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ النمل ، ] ، وقال ابن جريج : هو حين يذبح الموت وينادى : يا أهل النار خلود بلا موت ، وقال سعيد بن جبير هو أن تنطبق جهنم ، وذلك بعد أن يخرج اللّه تعالى منها من يريد أن يخرجه
وَتَتَلَقَّاهُمُ
أي : تستقبلهم
الْمَلائِكَةُ
قال البغوي : على أبواب الجنة يهنونهم ، وقال الجلال المحلي : عند خروجهم من القبور ، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين ويقولون لهم :
هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
أي : هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم به في الدنيا فأبشروا فيه بجميع ما يسركم . ولما كانت هذه الأفعال على غاية من الأهوال تتشوّف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه قال تعالى :
يَوْمَ
أي : تكون هذه الأشياء يوم
نَطْوِي السَّماءَ
طيا ، فتكون كأنها لم تكن ثم صوّر طيها بما يعرفونه ، فقال مشبها للمصدر الذي دل عليه الفعل
كَطَيِّ السِّجِلِّ ،
واختلف في السجلّ فقال بعضهم : هو الكاتب الذي له العلوّ والقدرة على مكتوبه
لِلْكُتُبِ
أي : القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد ، وقال السدّي : هو ملك يكتب أعمال العباد ، وقيل : كاتب كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والكتاب على هذه الأقوال اسم للصحيفة المكتوب فيها ، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون : السجل الصحيفة والمعنى كطيّ الصحيفة على مكتوبها ، والطي هو الدرج ، وهو ضدّ النشر ، وإنما وقع هذا الاختلاف ؛ لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى الكاتب قاله في القاموس ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الكاف والتاء على الجمع ، والباقون بكسر الكاف وفتح التاء ، وبين الكاف والتاء ألف على الإفراد ، فقراءة الإفراد لمقابلة لفظ السماء والجمع للدلالة على أن المراد الجنس ، فجميع السماوات تطوى . روي عن ابن عباس أنه قال : يطوي اللّه تعالى السماوات السبع بما فيها من الخليقة