تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة ، فوقع ، فقيل : خلق الإنسان من عجل ، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة ، وقال قوم : معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق اللّه تعالى إياه لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة ، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس ، قال مجاهد : فلما أحيا الروح رأسه قال : يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة وغيرها ، وقال قوم : من عجل أي : من طين قال الشاعر « 1 » :
والنبع في الصخرة الصماء منبته * والنخل ينبت بين الماء والعجل
ثم قال تعالى مهددا للمكذبين :
سَأُرِيكُمْ آياتِي
أي : مواعيدي بالعذاب
فَلا تَسْتَعْجِلُونِ
أي : تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب ، أو غيره فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم ؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل : لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله : خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
[ الإسراء ، 11 ] ، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق ؟ أجيب : بأن هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة ، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر .
وَيَقُولُونَ
في استهزائهم
مَتى هذَا الْوَعْدُ
أي : بإتيان الآيات من الساعة ومقدّماتها وغيرها
إِنْ كُنْتُمْ
فيما توعدون به
صادِقِينَ
أي : عريقين في هذا الوصف يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وهذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء . ثم بيّن تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله تعالى :
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
وذكر المفعول به بقوله تعالى :
حِينَ
أي : وقت
لا يَكُفُّونَ
أي : لا يدفعون
عَنْ وُجُوهِهِمُ
التي هي أشرف أعضائهم
النَّارَ
استسلاما وعجزا
وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ
التي هي أشدّ أجسامهم السياط
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي : لا يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف والمعنى : لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا العذاب ، ولا قالوا : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين .
بَلْ تَأْتِيهِمْ
أي : القيامة
بَغْتَةً
أي : فجأة
فَتَبْهَتُهُمْ
أي : تحيرهم ، يقال : فلان مبهوت أي : متحير
فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها
أي : لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم منه
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي : يمهلون لتوبة أو معذرة . ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أنّ الرسل في ذلك شرع واحد تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عاطفا على وإذا رآك :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ
أي : كثيرين فلك بهم أسوة ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء ساكنة
فَحاقَ
أي : نزل
بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك ، ولما أعلم اللّه تعالى أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به ، أتبعه بأنهم في الدنيا أيضا لولا أنّ اللّه تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة ، فقال تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
قُلْ
يا أشرف المرسلين
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( عجل ) ، وتهذيب اللغة 1 / 369 ، وتاج العروس ( عجل ) .