تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
ثم بيّن تعالى ما تناجوا به بقوله تعالى :
هَلْ
أي : فقالوا في تناجيهم هذا ، معجبين من ادعائه النبوّة مع مماثلته لهم في البشرية هل
هذا
الذي أتاكم بهذا الذكر
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي : في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب ، والحياة والممات ، فكيف يختص عنكم بالرسالة ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له ، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار قولهم :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ
أي : والحال أنكم
تُبْصِرُونَ
بأعينكم أنه بشر مثلكم ، فكأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء النبوة والرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر ، فأنكروا حضوره . فإن قيل : لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه أجيب : بأن ذلك كان يشبه التشاور فيما بينهم ، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم ، ويجتهدوا في طي سرهم عنهم ما أمكن وأستطيع . ومنه قول الناس : « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان » « 1 » ، قال البقاعي : فيالله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم ، فلم يجوزوا أن يكون ذلك عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان ، وجزموا أنه من الشيطان الداعي إلى الهوان باصطلاء النيران والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم بما يخص اللّه تعالى به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة ، وحسن الخلائق والأخلاق والقوة والصحة ، وطول العمر وسعة الرزق ونحو ذلك انتهى ، ولا عجب فإنها عقول أضلها باريها . ثم كأنه قيل : فماذا يقال لهؤلاء فقال :
قالَ
لهم :
رَبِّي
المحسن إلي
يَعْلَمُ الْقَوْلَ
سواء كان سرا أم جهرا كائنا
فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
على حد سواء ؛ لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ،
فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون . فإن قيل : هلا قيل يعلم السر لقوله تعالى :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى
[ طه ، 62 ] أجيب بأن القول عام يشمل السر والجهر ، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة ، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول : يعلم السر كما أن قوله : يعلم السر آكد من أن يقول يعلم سرهم . فإن قيل : لم ترك هذا الآكد في سوره الفرقان في قوله تعالى :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفرقان ، 6 ] ، ولم يقل : يعلم القول كما هنا ؟ أجيب : بأنه ليس بواجب أن يأتي بالآكد في كل موضع ، ولكن يجيء بالوكيد تارة وبالآكد تارة أخرى ، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن الكلام افتتانا ، ويجمع الغاية وما دونها ، على أن أسلوب تلك الآية خلاف أسلوب هذه من قبل أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد أن يقول : إنّ ربي يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة ، وثم قصد وصف ذاته بأنه أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض ، فهو كقوله تعالى :
عَلَّامُ الْغُيُوبِ
[ المائدة ، 109 ]
عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ
[ سبأ ، 3 ] ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي قال بصيغة الماضي بالإخبار عن الرسول والباقون قل بصيغة الأمر .
هامش
( 1 ) هو من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 195 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 53 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 549 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين