تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر ، 7 ] وههنا نكتة لطيفة وهي أن العبد له أسماء ثلاثة ؛ الظالم والظلوم والظلام إذا كثر منه الظلم ، وللّه تعالى في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم ، فكأنه تعالى قال : إن كنت ظالما فأنا غافر ، وإن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت ظلاما فأنا غفار ، فيجب على كل من ارتكب معصية كبيرة أو صغيرة أن يتوب منها لهذه الآية ، ودلت على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان ؛ لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف يغاير المعطوف عليه . ولما أمر تعالى موسى بحضور الميقات مع قوم مخصوصين قال المفسرون : هم السبعون الذين اختارهم اللّه تعالى من جملة بني إسرائيل ليذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة ، فسار بهم موسى ، ثم عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه وخلف السبعين ، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل ، فقال تعالى له :
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
أي : لمجيء ميعاد أخذ التوراة
يا مُوسى .
قالَ
مجيبا لربه تعالى :
هُمْ أُولاءِ
أي : بالقرب مني يأتون
عَلى أَثَرِي
أي : ماشين على آثار مشي قبل أن ينطمس ، وما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا يعتد بها عادة ، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم على بعض
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
أي : لتزداد عني رضا ، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك يوجب مرضاتك . تنبيه : في الآية سؤالات : الأول : قوله تعالى :
وَما أَعْجَلَكَ
استفهام ، وهو على اللّه تعالى محال وأجيب عنه : بأنه كان في صورة الاستفهام ، ولا مانع منه . الثاني : أن موسى لا يخلو إما أن يكون ممنوعا من ذلك التقدم أو لم يكن ، فإن كان الأول كان التقدم معصية ، وإن لم يكن فلا إنكار ، وأجيب عنه : بأنه لعله ما وجد نصا في ذلك فاجتهد ، فأخطأ في اجتهاده ، فاستوجب العتاب . الثالث : قوله :
وَعَجِلْتُ ،
والعجلة مذمومة ، أجيب عنه بأنها ممدوحة في الدين قال تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ آل عمران ، 133 ] . الرابع : قوله :
لِتَرْضى
يدل على أنه إنما فعل ذلك ليحصل الرضا ، وإذا لم يكن راضيا عنه ، وجب أن يكون ساخطا عليه ، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السّلام ، أجيب عنه : بأن المراد تحصيل دوام الرضا ، أو زيادته كما مرّ . الخامس : قوله
إِلَيْكَ
يقتضي كون اللّه تعالى في جهة لأن إلى لانتهاء الغاية ، وأجيب عنه : بأنا اتفقنا على أن اللّه تعالى لم يكن في الجبل ، فالمراد مكان وعدك . السادس : قوله تعالى :
ما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
سؤال عن سبب العجلة ، فكان جوابه اللائق به أن يقول : طلب زيادة رضاك ، أو التشوق إلى كلامك ، وأما قوله :
هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
فغير منطبق عليه كما ترى ؛ أجيب عنه : بأن سؤال اللّه تعالى يتضمن شيئين ؛ أحدهما : إنكار نفس العجلة ، والثاني : السؤال عن سبب التقدم ، فأجاب عن السؤال عن العجلة ؛ لأنها أهم ، فقال : وعجلت إليك رب لترضى
قالَ
تعالى :
فَإِنَّا
أي : تسبب عن عجلتك عنهم أنا
قَدْ فَتَنَّا
أي : ابتلينا
قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
أي : بعد فراقك لهم بعبادة العجل ، وهم الذين خلفهم مع هارون ، وكانوا ستمائة ألف ،