تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
[ الأعراف ، 142 ] ، فرأى من الإصلاح اعتزالهم إلى أن يأتي . تنبيه : إنما قال هارون ذلك شفقة على نفسه وعلى الخلق ؛ أما شفقته على نفسه ، فلأنه كان مأمورا من عند اللّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان مأمورا من عند أخيه بقوله :
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
[ الأعراف ، 142 ] ، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفا لأمر اللّه تعالى ولأمر موسى ، وذلك لا يجوز . أوحى اللّه تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم ، ومائتي ألف من شرارهم ، فقال : يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ قال : إنهم لم يغضبوا لغضبي ، وقال أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصبح وهمه غير اللّه فليس من اللّه في شيء ، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم » « 1 » وعن النعمان بن بشير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد » « 2 » وعن عبد اللّه بن أبي أوفى قال : « خرجت أريد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا أبو بكر وعمر عنده ، فجاء صغير يبكي ، فقال لعمر : ضم الصبي إليك فإنه ضال ، فأخذه عمر ، وإذا أم الصبي تولول كاشفة عن رأسها جزعا على ابنها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أدرك المرأة ، فنادها فجاءت ، وأخذت ولدها ، وجعلت تبكي والصبي في حجرها ، فالتفتت ، فرأت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاستحيت ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك : أترون هذه رحيمة بولدها ؟ قالوا : يا رسول اللّه كفى بهذه رحمة ، فقال : والذي نفسي بيده إن اللّه أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها » « 3 » ولقد سلك هارون في موعظته أحسن الوجوه ؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا بقوله :
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ،
ثم دعاهم إلى معرفة اللّه ثانيا بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ،
ثم دعاهم ثالثا إلى النبوة بقوله :
فَاتَّبِعُونِي ،
ثم دعاهم رابعا بقوله :
وَأَطِيعُوا أَمْرِي ،
وهذا هو الترتيب الجيد ؛ لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق ، وهو إزالة الشبهات ، ثم معرفة اللّه تعالى ، فإنها هي الأصل ، ثم النبوة ، ثم الشريعة ، فثبت أن هذا الترتيب أحسن الوجوه ؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا . ولما ذكر اللّه تعالى ما قال هارون تشوقت النفس إلى علم ما قال موسى فقيل :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 92 إلى 101 ]

قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 ) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ( 99 ) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ( 100 ) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً ( 101 )
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء 7 / 2530 ، والحاكم في المستدرك 4 / 320 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 84 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 43706 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 3 / 48 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 6011 ، ومسلم في البر حديث 2586 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 5999 ، ومسلم في التوبة حديث 22 .