تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
ولما أنعم اللّه تعالى على قوم موسى بأنواع النعم ذكر أولادهم تلك النعم ، فناداهم بقوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ
والمنادى من وجد من اليهود في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخوطبوا بما أنعم به على أجدادهم زمن موسى ، ولا شك أن إزالة الضرر يجب تقديمها على إيصال المنفعة ، وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية ، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله :
قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ،
فإنّ فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيرا من القتل والإذلال والخراج والأعمال الشاقة ، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية بقوله تعالى :
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
أي : الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم ، وهو جانبه الذي يلي البحر ، وناحية مكة واليمن ، ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك القرب عليهم كتابا فيه بيان دينهم ، وشرح شريعتهم . ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية بقوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ
بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم
الْمَنَّ
أي : الترنجبين
وَالسَّلْوى
أي : الطير السماني بتخفيف الميم والقصر . وقوله تعالى :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
أمر إباحة إن فسر الطيب باللذيذ ؛ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة ، وإن فسر بالحلال ؛ لأن اللّه تعالى أنزله إليهم ، ولم تمسه يد الآدميين ، فهو أمر إيجاب ، وقرأ حمزة والكسائي
قَدْ أَنْجَيْناكُمْ
وَواعَدْناكُمْ
ما رَزَقْناكُمْ
بتاء مضمومة بعد التحتية من أنجينا ، وبعد الدال من وعدنا ، وبعد القاف من رزقنا ، ولا ألف في الثلاثة ، والباقون بالنون ، وألف بعدها في الثلاثة ، وأسقط أبو عمرو الألف قبل العين من وعدنا ، وأثبتها الباقون ، ثم زجرهم عن العصيان بقوله تعالى :
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ
أي : فيما رزقناكم بالإخلال بشكره ، والتعدي بما حد اللّه لكم فيه من السرف والبطر والمنع عن المستحقين ، وقرأ الكسائي
فَيَحِلَّ
بضم الحاء ، أي : ينزل ، والباقون بكسرها ، أي : يجب
عَلَيْكُمْ غَضَبِي
أي : عقوبتي
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى
أي : هلك ، وقيل : شقي ، وقيل : وقع في الهاوية ، وقرأ الكسائي بضم اللام الأولى ، وكسرها الباقون ، ولما كان الإنسان محل الزلل ، وإن اجتهد رجاه واستعطفه بقوله سبحانه :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ
أي : ستار بإسبال ذيل العفو
لِمَنْ تابَ
أي : رجع عن ذنوبه من الشرك ، وما يقاربه
وَآمَنَ
بكل ما يجب الإيمان به
وَعَمِلَ صالِحاً
تصديقا لإيمانه
ثُمَّ اهْتَدى
باستمراره على ذلك إلى موته . فائدة : اعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا وغفارا ، وبأن له غفرانا ومغفرة ، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر ، أمّا وصف كونه غافرا ، فقوله تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ
[ غافر ، 3 ] وأما كونه غفورا ، فقوله تعالى :
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ
[ الكهف ، 58 ] وأما كونه غفارا ، فقوله تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ ،
وأما الغفران ، فقوله تعالى :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
[ البقرة ، 285 ] ، وأما المغفرة ، فقوله تعالى :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ
[ الرعد ، 6 ] ، وأما صيغة الماضي فقوله تعالى في حق داوود :
فَغَفَرْنا لَهُ
[ ص ، 25 ] ، وأما صيغة المستقبل فقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء ، 48 ] ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر ، 53 ] وقوله تعالى في حق نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح ، 2 ] ، وأما لفظ الاستغفار ، فقوله تعالى :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
[ هود ، 3 ] ،
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشورى ، 5 ]