تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
يَحْيى
فيها حياة مهنأة ، وبها يندفع ما قيل : إن الجسم الحيّ لا بد أن يبقى إمّا حيا أو ميّتا ، فخلوه عن الوصفين محال ، وقال بعضهم : إن لنا حالة ثالثة ، وهي كحالة المذبوح قبل أن يهدأ ، فلا هو حي لأنه قد ذبح ذبحا لا تبقى الحياة معه ، ولا هو ميت ؛ لأن الروح لم تفارقه بعد ، فهي حالة ثالثة .
وَمَنْ يَأْتِهِ
أي : ربه الذي قد أوجده ورباه
مُؤْمِناً
أي : مصدقا به
قَدْ
ضم إلى تصديق الإيمان أنه
عَمِلَ
أي : في الدنيا
الصَّالِحاتِ
أي : التي أمر بها ، فكان صادق الإيمان مستلزما لصالح الأعمال
فَأُولئِكَ
أي : العالوا الرتبة
لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى
جمع علياء مؤنث أعلى التي لا نسبة لدرجاتك التي أوعدتناها إليها . ثم بينوها بقولهم :
جَنَّاتُ عَدْنٍ
أي : أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي : من تحت غرفها وأسرتها وأرضها ، فلا يراد موضع منها ؛ لأن يجري فيه نهر الأجرى ، وقولهم :
خالِدِينَ فِيها
حال والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار
وَذلِكَ جَزاءُ
كل
مَنْ تَزَكَّى
أي : تطهر من أدناس الكفر . تنبيه : هذه الآيات الثلاث وهي من قوله :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً
إلى هنا يحتمل أن تكون من كلام السحرة كما تقرر ، وأن تكون ابتداء كلام من اللّه تعالى ، وقوله تعالى :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 77 إلى 91 ]

وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى ( 77 ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ( 79 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ( 83 ) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ( 84 ) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 )
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي
عطف على قوله :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا
[ طه ، 56 ] وفيه دليل على أن موسى كثر مستجيبوه ، فأراد اللّه تعالى تمييزهم من طبقة فرعون وخلاصهم ، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلا ، والسري اسم لسير الليل ، والإسراء مثله ، والحكمة في السري بهم لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادهم ، أو ليكون ذلك عائقا لفرعون عن طلبه وتتبعه ، أو ليكون إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى عليه الصلاة والسّلام عسكر فرعون لعنه اللّه فلا يهابونهم . وقرأ نافع وابن كثير بكسر النون وهمزة وصل بعدها من سرى ، والباقون بسكون النون ، وهمزة قطع بعدها من أسرى لغتان أي أسر ببني إسرائيل من أرض مصر التي لينت قلب فرعون لهم