تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
قالُوا
له :
لَنْ نُؤْثِرَكَ
أي : نختارك
عَلى ما جاءَنا
على لسان موسى
مِنَ الْبَيِّناتِ
التي عايناها ، وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضادتها . ولما بدؤوا بما يدل على الخالق من الفعل ترقوا إلى ذكره بعد معرفته بفعله إشارة إلى علوّ قدره ، فقالوا :
وَالَّذِي
أي : ولا نؤثرك بالاتباع على الذي فطرنا أي : ابتدأ خلقنا إشارة إلى شمول ربوبية اللّه تعالى لهم وله ولجميع الناس ، وتنبيها على عجز فرعون عند من استخفه ، وفي جميع أقوالهم هذه من تعظيم اللّه تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم . تنبيه : قد علم مما تقرر أن
وَالَّذِي
معطوف على
ما
وإنما أخروا ذكر الباري تعالى ؛ لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، وقيل : الواو قسم والموصول مقسم به وجواب القسم محذوف ، أي : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق ، ولما تسبب عن ذلك أنهم لا يبالون به ، وعلموا أن ما يفعله بهم هو بإذن اللّه تعالى قالوا له :
فَاقْضِ
أي : فاصنع في حكمك الذي تمضيه
ما أَنْتَ قاضٍ
أي : فاقض الذي أنت قاضيه ، ثم عللوا ذلك بقولهم :
إِنَّما تَقْضِي
أي : تصنع بنا ما تريد إن قدّرك اللّه عليه
هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
النصب على الاتساع أي : إنما حكمك فيها على الجسد خاصة ، فهي ساعة تعقبها راحة ، ونحن لا نخاف إلا ممن يحكم على الروح ، وإن فني الجسد فذاك هو العذاب الشديد الدائم . ثم عللوا تعظيم اللّه تعالى ، واستهانتهم بفرعون بقولهم :
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا
أي : المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره
لِيَغْفِرَ لَنا
من غير نفع يلحقه بالفعل ، أو ضرر يدركه بالترك
خَطايانا
التي قابلنا بها إحسانه ، ثم خصوا بعد العموم فقالوا :
وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ
وبينوا ذلك بقولهم :
مِنَ السِّحْرِ
لنعارض المعجزة ، فإنه كان الأكمل لنا عصيانك فيه ؛ لأن اللّه تعالى أحق بأن يتقى . فإن قيل : كيف قالوا ذلك وقد جاؤوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة ؟ أجيب : بأنه قد روي أن رؤوساء السحرة كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط والباقون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر ، وروي أنهم رأوا موسى نائما ، وعصاه تحرسه ، فقالوا لفرعون : إن الساحر إذا نام بطل سحره ، فهذا لا نقدر على معارضته ، فأبى عليهم ، وأكرههم على المعارضة . وقيل : إنّ الملوك في ذلك الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ، ويكلفونه تعلم السحر ، فإذا شاخ بعثوا إليه أحداثا ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه . ولما كان التقدير فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة عطفوا عليه مستحضرين لكماله
وَاللَّهُ
أي : الجامع لصفات الكمال
خَيْرٌ
جزاء منك فيما وعدتنا به
وَأَبْقى
ثوابا وعقابا قال أبو حيان : والظاهر أن اللّه تعالى سلمهم من فرعون ، ويؤيده قوله تعالى :
وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ
[ القصص ، 35 ] ، وقال الرازي : ليس في القرآن أنّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم ، ولم يثبت في الأخبار ، وقال البقاعي : سيأتي في آخر الحديد ما هو صريح في نجاتهم . ثم عللوا هذا الحكم بقولهم :
إِنَّهُ
أي : الأمر والشأن
مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ
أي : الذي رباه وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه
مُجْرِماً
بأن يموت على كفره
فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ
دار الإهانة
لا يَمُوتُ فِيها
فيستريح من عذابها بخلاف عذابك ، فإن آخره الموت وإن طال
وَلا