إلى الإيمان ببعثنا وقولهم :
لِيَغْفِرَ لَكُمْ
اللام متعلقة بيدعو ، أي : لأجل غفران ذنوبكم كقوله « 1 » :
دعوت لما نالني مسورا * فلبى فلبى يدي مسور
ويجوز أن تكون معدية كقوله : دعوتك لزيد ، والتقدير : يدعوكم إلى غفران ذنوبكم وقوله :
مِنْ ذُنُوبِكُمْ
قال السيوطي : من زائدة فإنّ الإسلام يغفر به ما قبله ، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد اه . أي : والمغفور لهم ما بينهم وبين اللّه تعالى . قال الرازي : والعاقل لا يجوز له المصير إلى كلمة من كلام اللّه تعالى بأنها زائدة من غير ضرورة اه .
وقال في « الكشاف » : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله :
وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( 3 ) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
[ نوح : 3 ، 4 ]
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ
[ الأحقاف ، 31 ] . وقال في خطاب المؤمنين :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 ) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
[ الصف : 11 ، 12 ] وغير ذلك مما يوقفك عليه الاستقراء ، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ، وأن لا يسوّى بين الفريقين في المعاد اه . قال الرازي : وأما قول « الكشاف » فهو من باب الظلمات ؛ لأنّ هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب ، وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا .
وَيُؤَخِّرَكُمْ ،
أي : ولا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة في الإهلاك لمن خالفهم بل يؤخركم .
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ،
أي : إلى وقت قد سماه وبين مقداره يبلغكموه إن أنتم آمنتم به ، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت إن أنتم ما آمنتم . فإن قيل : أليس قال تعالى :
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف ، 34 ] فكيف قال هنا :
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
[ إبراهيم ، 10 ] ؟ أجيب : بأنّ الأجل على قسمين : معلق ومبرم .
قالُوا ،
أي : الأمم مجيبين للرسل .
إِنْ ،
أي : ما
أَنْتُمْ
أيها الرسل
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ،
أي : لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوّة دوننا ولو أرسل اللّه تعالى إلى البشر رسلا لجعلهم من جنس ، أي : من البشر في زعم القائلين أفضل ، وقول « الكشاف » : وهم الملائكة جار على مذهبه .
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ،
أي : ما تريدون بقولكم هذا إلا صدّنا عن آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها
فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ،
أي : بحجة ظاهرة على صدقكم .
ولما حكى اللّه تعالى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوّة حكى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام جوابهم عنها بقوله تعالى :
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
مجيبين لهم
إِنْ ،
أي : ما
نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
كما قلتم ، فسلموا أنّ الأمر كذلك لكنهم بينوا أنّ التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض بمنصب النبوّة بقولهم
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ
أي : يتفضل
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
بالنبوّة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف ، كما قال تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام ، 124 ] .
وَما كانَ ،
أي : ما صح واستقام
لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ،
أي : إلا بأمره ؛ لأنا عبيد مربوبون فليس إلينا الإتيان بالآيات ، ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتيكم بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة اللّه تعالى فله أن
هامش
( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو لرجل من بني أسد في الدرر 3 / 68 ، وشرح التصريح 2 / 38 ، وشرح شواهد المغني 2 / 910 ، ولسان العرب ( لبى ) ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 3 / 123 ، وخزانة الأدب 2 / 92 ، 93 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 379 ، والكتاب 1 / 352 ،