تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ويؤذيني فيه فمات ذلك العظيم ، وملكني اللّه ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يتردّدون منها ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحدثتهم به وسجدنا شكرا للّه تعالى .
ذلِكَ ،
أي : النصر وإيراث الأرض
لِمَنْ خافَ مَقامِي ،
أي : موقفي وهو موقف الحساب ؛ لأنّ ذلك الموقف موقف اللّه الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
[ النازعات ، 40 ] وقوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن ، 46 ] وقيل :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي ،
أي : خافني ، فالمقام مقحم مثل ما يقال : سلام على المجلس العالي والمراد السّلام على فلان
وَخافَ وَعِيدِ
قال ابن عباس : ما أوعدت من العذاب ، وهذا يدل على أنّ الخوف من اللّه غير الخوف من وعيده ؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة ، وفي تفسير قوله تعالى :
وَاسْتَفْتَحُوا
قولان : أحدهما : طلب الفتح ، أي : واستنصروا اللّه تعالى على أعدائهم وهو كقوله تعالى :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
[ الأنفال ، 19 ] . والثاني : الفتح الحكم والقضاء ، أي : واستحكموا اللّه وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة ، وهي الحكومة كقوله تعالى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف ، 89 ] . فعلى القول الأول المستفتح هم الرسل ؛ لأنهم استنصروا اللّه ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم . قال نوح :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح ، 26 ] وقال موسى :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ
[ يونس ، 88 ] وقال لوط :
انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
[ العنكبوت ، 30 ] . وعلى القول الثاني : قال الرازي : فالأولى أن يكون المستفتح هم الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين ، فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال ، 32 ] . وكقول آخرين :
ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
[ العنكبوت ، 29 ] .
وَخابَ ،
أي : خسر وهلك
كُلُّ جَبَّارٍ ،
أي : متكبر عن طاعة اللّه ، وقيل : هو الذي لا يرى فوقه أحدا ، وقيل : هو المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه ، واختلفوا في قوله تعالى :
عَنِيدٍ
فقال مجاهد : معاند للحق ومجانبه . وقال ابن عباس : هو المعرض عن الحق . وقال مقاتل : هو المتكبر . وقال قتادة : هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا اللّه ، وقيل : هو المعجب بما عنده . ولما حكم تعالى على الكافر بالخيبة ، ووصفه بكونه جبارا عنيدا وصف كيفية عذابه بأمور : الأوّل : قوله تعالى :
مِنْ وَرائِهِ ،
أي : أمامه
جَهَنَّمُ ،
أي : هو صائر إليها . قال أبو عبيدة : هو من الأضداد وقال الشاعر « 1 » :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب
ويقال أيضا : الموت وراء كل أحد . وقال تعالى :
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
[ الكهف ، 79 ] ، أي : أمامهم . وقال ثعلب : هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أم قدامك ،
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لهدبة بن خشرم في خزانة الأدب 9 / 328 ، 330 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 142 ، والدرر 2 / 145 ، والكتاب 3 / 159 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 128 ، وشرح ابن عقيل ص 165 ، وشرح المفصل 7 / 117 ، 121 .