تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
عليهم الصلاة والسّلام ، فبدأ بذكر قصة موسى عليه السّلام فقال :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ،
أي : العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل والمنّ والسلوى وسائر معجزاته
أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ ،
أي : بني إسرائيل
مِنَ الظُّلُماتِ ،
أي : الكفر والضلال
إِلَى النُّورِ ،
أي : الإيمان والهدى . تنبيه : يجوز أن تكون أن مصدرية ، أي : بأن أخرج ، والباء في بآياتنا للحال ، وهذه للتعدية ، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى ، أي : ويكون المعنى ، أي : أخرج قومك من الظلمات ، أي : قلنا له أخرج قومك كقوله تعالى :
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
[ ص ، 6 ] .
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
قال ابن عباس : بنعم اللّه . وقال مقاتل : بوقائع اللّه في الأمم السالفة ، يقال : فلان عالم بأيام العرب ، أي : بوقائعهم ، وفي المثل من سرّ يوما يره . قال الرازي : معناه من رأى في يوم سروره بمصرع غيره رآه غيره في يوم آخر بمصرع نفسه ، وقال تعالى :
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
[ آل عمران ، 140 ] والمعنى : عظهم بالترغيب ، والترهيب ، والوعد والوعيد ، والترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم اللّه عليهم وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من الأيام ، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأمر اللّه وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل فيما سلف من الأيام مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ليرغبوا في الوعد ، فيصدّقوا ويحذروا من الوعيد ، فيتركوا التكذيب ، وقيل : بأيام اللّه في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب ، فخلصهم اللّه من ذلك وجعلهم ملوكا بعد أن كانوا مملوكين
إِنَّ فِي ذلِكَ ،
أي : التذكير العظيم
لَآياتٍ
على وحدانية اللّه تعالى وعظمته
لِكُلِّ صَبَّارٍ ،
أي : كثير الصبر على الطاعة وعن المعصية
شَكُورٍ ،
أي : كثير الشكر للنعم ، وإنما خص الصبور والشكور بالاعتبار بالآيات ، وإن كان فيها عبرة للكل ؛ لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات ، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة ، 3 ] فإنّ الانتفاع لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابرا شاكرا أما من لا يكون كذلك فلا ينتفع بها البتة . ولما أمر اللّه تعالى موسى أن يذكرهم بأيام اللّه حكى عنه أنه ذكرهم بها بقوله تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وقوله :
إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
ظرف للنعمة بمعنى الإنعام ، أي : اذكروا إنعام اللّه عليكم في ذلك الوقت
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
بالاستعباد
وَيُذَبِّحُونَ ،
أي : تذبيحا كثيرا
أَبْناءَكُمْ ،
أي : المولودين
وَيَسْتَحْيُونَ ،
أي : يستبقون
نِساءَكُمْ
أحياء وذلك كقول بعض الكهنة إنّ مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملك فرعون . فإن قيل : لم ذكر تعالى في سورة البقرة
يُذَبِّحُونَ
بغير واو وذكره هنا مع الواو ؟ أجيب : بأنها إنما حذفت في سورة البقرة ؛ لأنها تفسير لقوله تعالى :
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو ، وهنا أدخل الواو فيه ؛ لأنه نوع آخر لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح فليس تفسيرا للعذاب
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ ،
أي : إنعام وابتلاء
مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
لأنّ الابتلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا ، ومنه قوله تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء ، 35 ] . فإن قيل : تذبيح الأبناء فيه بلاء ، وأمّا استحياء النساء فكيف فيه ابتلاء ؟ أجيب : بأنهم كانوا يستحيونهن ويتركونهنّ تحت أيديهم كالإماء ، فكان ذلك ابتلاء .