تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
يخص كل نبيّ بنوع من الآيات .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
بأمر حتم
الْمُؤْمِنُونَ ،
أي : يثقوا به فلا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على اللّه ، واعتمادنا على فضل اللّه ، فإنّ الروح متى كانت مشرفة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء علم الغيب قلما تبالي بالأحوال الجسمانية ، وقلما تقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء فلهذا توكلوا على اللّه ، وعوّلوا على فضله ، وقطعوا أطماعهم عمن سواه ، وعمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوّليا ألا ترى إلى قولهم :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
أي : أيّ عذر لنا في أن لا نتوكل عليه
وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ،
أي : وقد عرّفنا طريق النجاة وبيّن لنا الرشد ، فإنّ من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة يقبح عليه أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى يعصم أولياءه ، والمخلصين في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم . وقرأ أبو عمرو بسكون الباء والباقون بالرفع ، وكذلك لرسلهم سكن أبو عمرو السين ورفعها الباقون ، ثم قالوا :
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
فإنّ الصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات ، والحق لا بدّ وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بدّ وأن يصير مغلوبا مقهورا ثم قالوا :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ .
فإن قيل : أي فرق بين التوكلين ؟ أجيب : بأنّ الأوّل لاستحداث التوكل والثاني طلب دوامه ، أي : فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم . ولما حكى اللّه تعالى عن الأنبياء عليهم السّلام أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة بقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ
مستهينين لمن قصروا التجاءهم عليه .
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا ،
أي : التي لنا الآن الغلبة عليها .
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ،
أي : حلفوا ليكونن أحد الأمرين إمّا إخراجكم أيها الرسل ، وإمّا عودكم إلى ملتنا ، أي : ديننا . فإن قيل : قد يفهم هذا بظاهره أنهم كانوا على ملتهم قبل ذلك ؟ أجيب : بأنّ العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية ، لا تكاد تسمعهم يستعملون صار ولكن عاد يقولون ما عدت أراه ، عاد لا يكلمني ، ما عاد لفلان مال . وقد أجمعت الأمّة على أنّ الرسل من أوّل الأمر إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه فغلبوا الجماعات على الواحد ، وقيل :
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
أي إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عند ذكر معايبه وعدم التعرّض له بالطعن والقدح . ولما ذكر الكفار هذا الكلام قال تعالى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ،
أي : الرسل
رَبُّهُمْ
وقوله تعالى :
لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ،
أي : الكافرين حكاية تقتضي إضمار القول أو أجرى الإيحاء مجرى القول ؛ لأنه ضرب منه .
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ ،
أي : أرضهم
مِنْ بَعْدِهِمْ ،
أي : بعد هلاكهم ونظيره قوله تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
[ الأعراف ، 137 ] وقوله تعالى :
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ
[ الأحزاب ، 27 ] . قال الزمخشري : وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من آذى جاره ورثه اللّه داره » « 1 » . قال : ولقد عاينت هذا في مدّة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها
هامش
( 1 ) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء 2 / 303 .