تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
[ غافر ، 78 ] . وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان في انتسابه لا يجاوز معدّ بن عدنان بن أدر وقال : « تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق » « 1 » . قال الرازي : والقول الثاني أقرب . ولما
جاءَتْهُمْ ،
أي : هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ،
أي : الدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات أتوا بأمور أوّلها ما حكاه اللّه تعالى عنهم بقوله تعالى :
فَرَدُّوا ،
أي : الأمم
أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ
وفي ذلك احتمالات : الأول : أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كقوله تعالى :
عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ
[ آل عمران ، 119 ] . والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية ، فعند ذلك ردّوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك ، فيضع يده على فيه . والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام ، واسكتوا عن ذكر هذا الحديث . والرابع : أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم الكفر كما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى :
وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ
أي : على زعمكم أي : أن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق هذا هو الأمر الثاني الذي أتوا به ، وقيل : الضمير في ردوا راجع للرسل عليهم السّلام ، وفيه وجهان : أحدهما أنّ الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوا وليقطعوا الكلام . والثاني : أنّ الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم ، على أفواه أنفسهم فإنّ من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم ، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه ، وغرضه أن يعرّفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام البتة ، والأمر الثالث : قولهم :
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا ،
أي : شيء
تَدْعُونَنا
أيها الرسل
إِلَيْهِ ،
أي : من الدين
مُرِيبٍ ،
أي : موجب الريبة ، أي : موقع في الريبة والشبهة والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي يشك فيه . فإن قيل : إنهم قالوا أولا : إنّا كفرنا بما أرسلتم به ، فكيف يقولون ثانيا
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ
والشك دون الكفر ؟ أجيب : بأنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل كلهم حصل لهم شبه توجب الشك لهم فقالوا : إن لم ندع الجزم واليقين في كفرنا فلا أقلّ من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم ، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم . ولما قال هؤلاء الكفار للرسل ذلك .
قالَتْ
لهم
رُسُلُهُمْ
مجيبين
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ ،
أي : هل تشكون في اللّه ؟ وهو استفهام إنكار ، أي : لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه منها قوله تعالى :
فاطِرِ ،
أي : خالق
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ،
أي : وما فيهما من الأنفس والأرواح والأرزاق ، وقرأ أبو عمرو رسلهم هنا وفيما مر في
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
بإسكان السين ، والباقون بالرفع . ولما أقاموا الدليل على وجود اللّه تعالى وصفوه بكمال الرحمة بقولهم :
يَدْعُوكُمْ ،
أي :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 1979 ، وأحمد في المسند 2 / 374 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 192 ، 193 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 225 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6126 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 3 / 335 .