تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
فقرأ : قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا إلى آخر السورة فنزلت « 1 » ، فكانوا لا يشربونها في أوقات الصلاة ، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها . وقيل : أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد . وقيل : أراد بالسكر سكر النوم ونهى عن الصلاة عند غلبة النوم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنّ أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه » « 2 » . وقوله تعالى :
وَلا جُنُباً
منصوب على الحال أي : ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب بإيلاج أو إنزال ، يقال : رجل جنب وامرأة جنب ورجال ونساء جنب ؛ لأنه يجري مجرى المصدر لا أنه مصدر بل هو اسم مصدر ؛ لأنه لم يستوف حروف الفعل ؛ لأنّ فعله أجنب فمصدره إجنابا لا جنبا ، وأصل الجنابة البعد وسمي جنبا ؛ لأنه يجتنب موضع الصلاة أو لمجانبته الناس وبعده منهم حتى يغتسل
إِلَّا عابِرِي
أي : مجتازي
سَبِيلٍ
أي : طريق أو مسافرين
حَتَّى تَغْتَسِلُوا
أي : فلكم أن تصلوا ، واستثناء المسافر له حكم آخر سيأتي . وفي هذا دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث ؛ لأنه غياه بقوله : ( حتى تغتسلوا ) ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها وجوّز للجنب عبور المسجد ، وبه قال الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز له المرور إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق إلى الماء
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى
أي : مرضا يخاف معه من استعمال الماء فإنّ الواجد كالفاقد
أَوْ عَلى سَفَرٍ
أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ
أي : أحدثتم بخروج الخارج من أحد السبيلين ، والغائط المكان المطمئن من الأرض تقضي فيه الحاجة سمي باسمه الخارج للمجاورة
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ،
قرأ حمزة والكسائيّ بغير ألف بين اللام والميم والباقون بألف ، واختلف في معنى اللمس والملامسة فقال قوم : هما التقاء البشرتين سواء أكان بجماع أم بغيره ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وبه استدلّ الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه أنّ اللمس ينقض الوضوء ، وقال قوم : هما المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة كني باللمس عن الجماع ؛ لأنّ باللمس يوصل إلى الجماع
فَلَمْ تَجِدُوا ماءً
تطهرون به للصلاة بعد الطلب ؛ لأنه لا يسمى غير واجد إلا بعد الطلب وهذا راجع إلى ما عدا المرض
فَتَيَمَّمُوا
أي : بعد دخول الوقت
صَعِيداً طَيِّباً
أي : ترابا طاهرا أي : طهورا أمّا المرضى فيتيممون مع حضور الماء ؛ لأنّ وجوده بالنسبة إليهم كالعدم
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
مع المرفقين منه بضربتين كما ثبت في الحديث وقال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره وإن كان صخرا لا تراب عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى وأجاب عن قوله تعالى في آية المائدة :
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
[ المائدة : 6 ] أي : بعضه وهو لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه بأنّ من لابتداء الغاية ، قال الزمخشريّ : وقولهم : إنها لابتداء الغاية فيه تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسي من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض ، قال : والإذعان للحق أحق من المراء ،
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الأشربة حديث 3671 ، والترمذي في التفسير حديث 3026 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الوضوء حديث 212 ، ومسلم في المسافرين حديث 786 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1310 ، والترمذي في الصلاة حديث 355 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1370 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 353 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين