تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
إلى مكة ندم هو وأصحابه وكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنا قد ندمنا على ما صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الفرقان ، 68 ] الآيات وقد دعونا مع اللّه إلها آخر وقتلنا النفس التي حرّم اللّه قتلها وزنينا فلو لا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت :
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
[ مريم ، 60 ] الآيتين فبعث بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم فلما قرؤوهما كتبوا إليه : إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فنزلت :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
فبعث بها إليهم فبعثوا إليه إنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر ، 53 ] الآية فبعث بها إليهم ، فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقبل منهم ثم قال لوحشيّ « أخبرني كيف قتلت حمزة ؟ » فلما أخبره قال : « ويحك غيب وجهك عني » « 1 » فلحق وحشيّ بالشام فكان بها إلى أن مات
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى
أي : ارتكب
إِثْماً عَظِيماً
أي : كبيرا فالافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذا الاختلاق . روي أن رجلا قال : يا رسول اللّه ما الموجبات ؟ قال : « من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك باللّه شيئا دخل النار » « 2 » . وروى أبو ذر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من عبد قال : لا إله إلا اللّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة » قلت : وإن زنا وإن سرق ؟ قال : « وإن زنا وإن سرق » قلت : وإن زنا وإن سرق ! قال : « وإن زنا وإن سرق » قلت : « وإن زنا وإن سرق ؟ قال : « وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر » « 3 » وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال : وإن رغم أنف أبي ذر
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ
قال الحسن وقتادة : نزلت في اليهود والنصارى قالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه وقالوا
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
[ البقرة ، 111 ] ، وقال الكلبيّ : نزلت في رجال من اليهود جاؤوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأطفالهم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب ؟ قال : « لا » قالوا : واللّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار . ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللّه إلا إذا كان لغرض صحيح وطابق الواقع كقول سيدنا يوسف صلّى اللّه عليه وسلّم :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
[ يوسف ، 55 ] ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني أمين في السماء أمين في الأرض » « 4 » حين قال له المنافقون : اعدل في القسمة إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه ، ولكن شتان بين من شهد اللّه له بالتزكية ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم
بَلِ اللَّهُ
الذي له صفات الكمال
يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
أي : بماله من العلم التامّ والقدرة الشاملة والحكمة البالغة ، وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا أو قولا
وَلا يُظْلَمُونَ
أي : ينقصون من أعمالهم
فَتِيلًا
أي : قدر ما يكون في شق النواة قاله عكرمة عن ابن عباس ، فهو اسم لما في شق النواة ، والقطمير اسم للقشرة التي على النواة ، والنقير اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة ، وقيل : الفتيل من الفتل وهو ما
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 9 / 98 ، وابن حجر في فتح الباري 7 / 270 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7487 ، ومسلم في الإيمان حديث 93 . ( 3 ) أخرجه البخاري في اللباس حديث 5827 ، ومسلم في الإيمان حديث 94 . ( 4 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 15755 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 356 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين