تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
بمعنى الدعاء أي : لا سمعت بصمم أو بموت ، أو بمعنى اسمع منا ولا نسمع منك ، أو بمعنى اسمع غير مسمع كلاما ترضاه
وَ
يقولون له :
راعِنا
يريدون به النسبة إلى الرعونة وقد نهى عن خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم بها وهي كلمة سب بلغتهم
لَيًّا
أي : تحريفا
بِأَلْسِنَتِهِمْ
أي : يحرفون ما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير نفاقا
وَطَعْناً
أي : قدحا
فِي الدِّينِ
أي : الإسلام
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
بدل وعصينا
وَاسْمَعْ
أي : فقط
وَانْظُرْنا
أي : انظر إلينا بدل راعنا
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
مما قالوه
وَأَقْوَمَ
أي : أعدل وأصوب
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
أي : أبعدهم عن رحمته
بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
أي : إيمانا قليلا لا يعبأ به وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل ويجوز أن يراد بالقلة العدم أو إلا نفرا قليلا منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
يخاطب اليهود
آمِنُوا بِما نَزَّلْنا
أي : القرآن
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
أي : التوراة وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كلم أحبار اليهود عبد اللّه بن صوريا وأصحابه وكعب بن أسد وقال : « يا معشر اليهود اتقوا اللّه وأسلموا فو اللّه إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق » « 1 » قالوا : ما نعرف ذلك وانصرفوا على الكفر فنزلت
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً
أي : نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم
فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
أي : فنجعلها كالأقفاء مطموسة مثلها أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة . روي أنّ عبد اللّه بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله ويده على وجهه وأسلم وقال : يا رسول اللّه ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحوّل وجهي في قفاي وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه فقال : يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية . فإن قيل : قد أوعدهم اللّه بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك ؟ أجيب : بأنّ هذا الوعيد باق ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة ، أو أنّ هذا كان وعيدا بشرط فلما أسلم عبد اللّه بن سلام وأصحابه رفع ذلك عن الباقين ، وقيل : أراد به في القيامة ، وقال مجاهد : أراد بقوله : نطمس وجوها أي : نتركهم في الضلالة ، فيكون المراد طمس وجه القلب والردّ عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة
أَوْ نَلْعَنَهُمْ
أي : نمسخهم قردة وخنازير
كَما لَعَنَّا
أي : مسخنا
أَصْحابَ السَّبْتِ
منهم قردة وخنازير
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ
أي : قضاؤه
مَفْعُولًا
أي : نافذا وكائنا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا .
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
أي : لا يغفر الإشراك به ، قال عمر رضي اللّه تعالى عنهما : لما نزل
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
[ الزمر ، 53 ] قالوا : يا رسول اللّه والشرك فنزلت . ولما أخبر بعدله أخبر تعالى بفضله فقال :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ
الأمر الكبير العظيم من كل معصية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة سواء أتاب فاعلها أم لا ، ورهب بقوله : إعلاما بأنه مختار لا يجب عليه شيء
لِمَنْ يَشاءُ .
وقال الكلبيّ : نزلت هذه الآية في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة وذهب
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .