تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث اللّه إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي اللّه الموتى ، ثم ركّب خلقه وهو ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، كل ذلك يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك : كم لبثت ؟
قالَ لَبِثْتُ يَوْماً
وذلك أنّ اللّه تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال : لبثت يوما وهو يرى أنّ الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال :
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
أي : بل بعض يوم
قالَ
أي : اللّه أو الملك له
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت ، وفي قال : لبثت وفي بل لبثت ، والباقون بالإدغام . ثم قال له اللّه أو الملك
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ
وكان تينا أو عنبا
وَشَرابِكَ
وكان عصيرا أو لبنا
لَمْ يَتَسَنَّهْ
أي : لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته قال الكسائيّ أي : كأنه لم يأت عليه السنون ، وإنما أفرد الضمير لأنّ الطعام والشراب كالجنس الواحد . فإن قيل : إذا كان المارّ كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه اللّه ؟ أجاب الزمخشريّ بأنّ الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافرا وقال أبو حيان : لا نص في الآية ، إنّ اللّه كلمه شفاها ، وقرأ حمزة والكسائيّ لم يتسنّ بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها ، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع .
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه ، وقيل : رآه حيا مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف ، كما حفظ الطعام والشراب من التغير . وقوله تعالى :
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية وقيل : الواو زائدة مقحمة أي : لنجعلك عبرة ودلالة على البعث بعد الموت
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالراء ومعناه نحييها ، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردّها إلى أماكنها من الجسد . وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها : وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية للناس ، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون : إنه أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتا قال السديّ : إن اللّه أحيا عزيرا ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، فبعث اللّه ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ، الذي ذهبت به الطيور والسباع ، فاجتمعت فركب بعضها في بعض ، وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام لحما ودما كما قال تعالى :
ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً
فصار حمارا لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن اللّه تعالى ، وقال الأقلّون : أراد به عظام هذا الرجل فأحيا اللّه عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه ، وهذا يؤيد كون حماره كان حيا وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة : وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها . روي أن عزيرا لما أحياه اللّه تعالى ركب حماره حتى أتى محلته ، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله ، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة