تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
بنصبها بتقدير أنفقوا ، واختلفا في معنى العفو وهو نقيض الجهد فقيل : أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع ، كما قال الشاعر « 1 » :
خذي العفو مني تستديمي مودّتي * ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وسورة الغضب : شدّته وحدّته ، وقال قتادة وعطاء والسدّيّ : هو ما فضل عن الحاجة ، وكانت الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم يكتسبون المال ، ويمسكون قدر النفقة ، ويتصدّقون بالفضل بحكم هذه الآية ، وقال مجاهد معناه التصدّق عن ظهر غنى . روي : « أن رجلا أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ببيضة من ذهب أصابها في بعض الغنائم فقال : خذها مني صدقة ، فأعرض عنه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى كرّر مرارا ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها ، فحذفه بها حذفا لو أصابه لشجه ثم قال : « يأتي أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول » « 2 » قال ابن الأثير : والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام وتمكينا ، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قويّ من المال . وقال عمرو بن دينار : الوسط من غير إسراف ولا إقتار كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
[ الفرقان ، 67 ]
كَذلِكَ
كما بين لكم ما ذكر
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
قال الزجاج : إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة ؛ لأنّ الجماعة معناها القبيل كأنه قيل : كذلك أيها القبيل وقيل : هو خطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنّ خطابه يشتمل على خطاب الأمّة كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
[ الطلاق ، 1 ]
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ .
فِي
زوال
الدُّنْيا
وفنائها فتزهدوا فيها
وَ
في إقبال
الْآخِرَةِ
وبقائها فترغبوا فيها
وَيَسْئَلُونَكَ
يا محمد
عَنِ الْيَتامى
وقد مرّ أنهم جمع يتيم ، وأن اليتيم طفل لا أب له ، قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لما نزل قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الأنعام ، 152 ] وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
[ النساء ، 10 ] الآية تحرّج المسلمون من أموال اليتامى تحرّجا شديدا ، فإن واكلوهم يأثموا ، وإن عزلوا مالهم من مالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج ، فاشتدّ ذلك عليهم فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ
أي : اليتامى في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم معهم
خَيْرٌ
من مجانبتكم .
وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ
أي : تخلطوا نفقتهم بنفقتكم
فَإِخْوانُكُمْ
أي : فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي : فلكم ذلك . وقيل : المراد بالمخالطة المصاهرة ،
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ
لأموالهم بمخالطته
مِنَ الْمُصْلِحِ
بها فيجازي كلا منهما ، ففي ذلك وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
أي : لضيق عليكم بتحريم المخالطة وما أباح لكم مخالطتهم ، وأصل العنت الشدّة والمشقة ، ومعناه : كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
غالب على أمره ، يقدر على الإعنات وغيره
حَكِيمٌ
يحكم بما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 221 إلى 229 ]

وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228 ) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 229 )
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( عفا ) ، وتاج العروس ( عفا ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الزكاة حديث 1673 ، والدارمي في الزكاة حديث 1659 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 164 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين