يَسْئَلُونَكَ
يا محمد
ما ذا
أي : الذي
يُنْفِقُونَ ،
والسائل كما قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : عمرو بن الجموح الأنصاري ، وكان شيخا فانيا ذا مال عظيم ، فقال : يا رسول اللّه ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ؟ فنزل :
قُلْ
لهم
ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
أي : مال قليلا كان أو كثيرا ،
فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ
أي : هم أولى به سأل عن المنفق فأجيب : ببيان المصرف ؛ لأنه أهمّ فإنّ اعتداد النفقة باعتباره ، ولأنه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكورا في الآية ، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
إنفاق وغيره
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
فيجازيكم به .
تنبيه : ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل ؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد ، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعا أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد ، وذلك ليس بمنسوخ .
كُتِبَ
أي : فرض
عَلَيْكُمُ الْقِتالُ
للكفار
وَهُوَ كُرْهٌ
أي : مكروه
لَكُمْ
طبعا للمشقة
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وهو جميع ما كلفتم به فإنه الموجب لسعادتكم ، فلعل لكم في القتال - وإن كرهتموه - خيرا ؛ لأنّ فيه إمّا الظفر والغنيمة وإمّا الشهادة والأجر
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وهو جميع ما نهيتم عنه ، فإنّ النفس تحبه وتهواه ، وهو يهوي بها إلى الردى ، ففي ترك القتال - وإن أحببتموه - شرّ ؛ لأنّ فيه الذل والفقر وحرمان الأجر ، وإنما ذكر عسى ؛ لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
ما هو خير لكم
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به .
يَسْئَلُونَكَ
يا محمد
عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
المحرّم ، روي أنه عليه الصلاة والسّلام بعث عبد اللّه بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة ، قبل قتال بدر بشهرين ، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة ؛ ليترصد عيرا لقريش فيهم عمرو بن عبد اللّه الحضرمي ، وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها تجارة من تجارة الطائف ، وكان ذلك غرّة رجب ، وهم يظنونه جمادى الآخرة فقالت قريش : قد استحلّ محمد الشهر الحرام الذي يأمن فيه الخائف ، ويتفرّق فيه الناس إلى معايشهم ، فسفك فيه الدماء ، وأخذ الأسارى ، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين ، وقالوا : يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام ، وقاتلتم فيه ، وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا : ما نبرح حتى تنزل توبتنا وردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العير والأسارى .