تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
إذ الأصل في الأمر الوجوب وما روي عن جابر أنه قال : « يا رسول اللّه العمرة واجبة مثل الحج فقال : لا » « 1 » معارض بما روي أن رجلا قال لعمر رضي اللّه تعالى عنه : إني وجدت أي : علمت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعا ، فقال : هديت لسنة نبيك ، ولا يقال إنه فسر وجدانهما مكتوبين بقوله : أهللت بهما ؛ لأنه رتب الإهلال بهما على الوجدان ، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس وقيل : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، روي ذلك عن عليّ وابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم وقيل : إن تفرد لكل واحد منهما سفرا ، وقيل : أن تكون النفقة حلالا وقيل : أن تخلصهما للعبادة ولا تشوبهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية .
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
أي : منعتم عن إتمامهما يقال : حصره وأحصره العدوّ إذا منعه قال تعالى
الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة ، 273 ] وقال القائل « 2 » :
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت * عليك ولا إن أحصرتك شغول
لكن الأشهر : أن يقال في العدوّ وحصره وفي المرض أحصره ، والمراد هنا حصر العدوّ لقوله تعالى :
فَإِذا أَمِنْتُمْ
ولنزول الآية في الحديبية ولقول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : لا حصر إلا حصر العدوّ ، أما ما روي عنه عليه الصلاة والسّلام : « من كسر أو عرج فعليه الحج من قابل » « 3 » فمحمول على من شرطه ؛ لقوله عليه الصلاة والسّلام لضباعة بنت الزبير : « حجي واشترطي وقولي : اللهم محلي حيث حبستني » « 4 » ومحلي بكسر الحاء : محل الحبس والحصر ويجوز أن يكون مصدر اسميا .
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
أي : فإن أردتم التحلل فعليكم ما استيسر أو فالجواب ، أو فاهدوا ما استيسر من الهدي ، وهو بدنة أو بقرة أو سبع من أحدهما أو شاة يذبحها ، حيث أحصر في حل أو حرم عند الأكثر ؛ لأنه عليه الصلاة والسّلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل وقيل : لا بدّ أن يبعث بها إلى الحرم لقوله تعالى :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة ، 196 ] أي : لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي : مكانه الذي يجب أن يذبح فيه ، وحمل الأوّلون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلا كان أو حرما ، لكن يندب إرساله إلى الحرم خروجا من خلاف أبي حنيفة واقتصاره تعالى على الهدي دليل عدم القضاء كما قاله الشافعيّ ، وذهب أبو حنيفة إلى وجوب القضاء ، ولا بدّ من نيّة التحلل عند الذبح أو الحلق أو التقصير بعده مع نية التحلل ، وبذلك يحصل التحلل والمحل بالكسر يطلق للمكان والزمان .
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً
أي : مرضا يحوجه إلى الحلق
أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
كقمل وصداع فحلق في الإحرام
فَفِدْيَةٌ
أي : فعليه فدية إن حلق ولو بعض شعر رأسه ، ثلاث شعرات
هامش
( 1 ) أخرجه الدارقطني في سننه 2 / 286 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لابن ميادة في ديوانه ص 187 ، ولسان العرب ( نجح ) ، ( حصر ) ، ( شغل ) ، ومقاييس اللغة 2 / 72 ، ومجمل اللغة 2 / 75 ، وتهذيب اللغة 4 / 159 ، وبلا نسبة في المخصص 12 / 96 ، وتاج العروس ( شغل ) . ( 3 ) أخرجه أبو داود حديث 1862 ، والترمذي حديث 1940 . ( 4 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 15 ، والحج باب 104 ، 105 ، 106 ، 108 ، وأبو داود في المناسك باب 22 ، والنسائي في الحج باب 60 ، وابن ماجة في المناسك ، باب 24 .