تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
عُدْوانَ
أي : اعتداء بقتل أو غيره
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
أي : فلا تعتدوا على المنتهين ؛ إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم والفاء الأولى للتعظيم والثانية للجزاء وسمي جزاء الظالمين عدوانا للمشاكلة كقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ .
الشَّهْرُ الْحَرامُ
أي : المحرم مقابل
بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لما خرج معتمرا في ذي القعدة سنة ست ، وصدّه المشركون عن البيت بالحديبية ، ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع واستعظم المسلمون قتالهم في الشهر الحرام نزلت هذه الآية ، أي : هذا الشهر بذلك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به . وقوله تعالى :
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
احتجاج عليه أي : كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص ، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام ، أي : فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله ، وادخلوا عليه عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم ، أي : كما قال تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ
بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
سمي الجزاء باسم الاعتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى ، 40 ] .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في الانتصار لأنفسكم منهم ، ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
بالعون والنصر فيحرسهم ويصلح شأنهم .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : طاعته سواء الجهاد وغيره
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
أي : بأنفسكم ، عبر بالأيدي عن الأنفس كقوله تعالى :
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى ، 30 ] أي : بما كسبتم والباء زائدة
إِلَى التَّهْلُكَةِ
أي : الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو الإسراف فيها ، حتى يفقر نفسه ويضيع عياله ، أو عن ترك الزور الذي هو تقوية للعدوّ . روي أنّ رجلا من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس : ألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري : نحن أعلم بهذه الآية ، وإنما نزلت فينا ، صحبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنصرناه ، وشهدنا معه المشاهد ، وآثرناه على أهلنا وأولادنا وأموالنا ، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها رجعنا إلى أهلينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد ، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل اللّه حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية ، فتوفي هناك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به . وروي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق » « 1 » وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني : الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة اللّه تعالى ، قال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب فيقول : قد هلكت ليست لي توبة فييأس من رحمة اللّه وينهمك في المعاصي ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك كما قال تعالى :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
[ يوسف ، 87 ]
وَأَحْسِنُوا
أي : بالنفقة وغيرها
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
أي : يثيبهم .
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
أي : أدوهما بحقوقهما . وفي الآية حينئذ دليل على وجوبهما ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 1910 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2502 ، والنسائي في الجهاد حديث 3097 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 147 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين