ويجوز أن يراد بحدود اللّه محارمه ونواهيه . وعلى هذا فالنهي عن القربان ظاهر كما قال عليه الصلاة والسّلام : « إنّ لكل ملك حمى ، وإن حمى اللّه في أرضه محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » « 1 » رواه الشيخان
كَذلِكَ
أي : كما بيّن لكم ما ذكر
يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي : لكي يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي فينجوا من العذاب .
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ
أي : لا يأكل بعضهم مال بعض
بِالْباطِلِ
أي : الحرام شرعا كالغصب والسرقة وقوله تعالى :
وَتُدْلُوا
مجزوم داخل في حكم النهي ، أو منصوب بإضمار أن ، والإدلاء الإلقاء أي : ولا تلقوا
بِها
أي : بحكومتها وبالأموال رشوة
إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا
بالتحاكم
فَرِيقاً
أي : طائفة
مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ
أي : بما يوجب إثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة أو متلبس بالإثم ، فالباء إمّا للسببية فتكون متعلقة بتأكلوا ، أو للمصاحبة فتتعلق بمحذوف ، وتكون مع مدخولها حالا من فاعل تأكلوا
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أنكم مبطلون فإن ارتكاب المعصية مع العلم أقبح .
روي « أن عبدان الحضرمي ادّعى على امرئ القيس الكندي قطعة أرض ولم يكن له بينة فحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يحلف امرؤ القيس فهمّ بالحلف فقرأ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
[ آل عمران ، 77 ] فارتدع عن اليمين ، وسلّم الأرض لعبدان » « 2 » فنزلت ، وهو دليل على أنّ حكم القاضي لا ينفذ في باطن الأمر وفيه خلاف ظاهر ، ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لخصمين اختصما إليه : « إنما أنا بشر وأنتم تختصمون لديّ ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته - أي : أقوم وأقدر - عليها من بعض فأقضي له على ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار » فبكيا وقال كل واحد منهما : حقي لصاحبي ، فقال : « اذهبا وتواخيا ثم استهما ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه » « 3 » و « سأل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود دقيقا كما بدا ولا يكون على حالة واحدة كالشمس ؟ فنزل :
يَسْئَلُونَكَ
يا محمد
عَنِ الْأَهِلَّةِ
جمع هلال مثل رداء وأردية ، والهلال اسم له : أوّل الليلة الأولى والثانية والثالثة ، وبعدها يسمى قمرا ، وهنا سماه بأوّل حالاته لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم : استهل الصبيّ إذا صرخ حين يولد
قُلْ
لهم
هِيَ مَواقِيتُ
جمع ميقات أي :
معالم
لِلنَّاسِ
يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصيامهم وإفطارهم وعدد نسائهم وأيام حيضهنّ ومدّة حملهنّ وغير ذلك .
وقوله تعالى :
وَالْحَجِّ
عطف على الناس أي : يعلمون بها وقته أداء وقضاء ، هذه هي الحكمة الظاهرة في ذلك ، ولهذا خالف بين الأهلة وبين الشمس فلو استمرّت الأهلة على حالة لم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 52 ، ومسلم في المساقاة حديث 1599 ، والترمذي في البيوع حديث 1205 ، وابن ماجة في الفتن حديث 3984 .
( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره 5755 .
( 3 ) أخرجه البخاري في الشهادات باب 27 ، والحيل باب 10 ، والأحكام باب 20 ، ومسلم في الأقضية حديث 4 ، وأبو داود في الأقضية باب 7 ، وأحمد في المسند 2 / 332 ، 6 / 203 ، 290 ، 307 ، 308 ، 320 .