تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار من الليل » « 1 » أجيب : بأنه غفل عن البيان ولذلك عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قفاه ؛ لأنه مما يستدل به على بلادة الرجل وقلة فطنته ، وقال سهل بن سعد الساعدي نزلت ولم ينزل من الفجر ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له ، فأنزل اللّه تعالى بعد ذلك من الفجر . فإن قيل : كيف جاز فعل ذلك في رمضان مع تأخير البيان وهو يشبه العبث ، حيث لا يفهم منه المراد ؟ أجيب : بأنّ ذلك كان قبل دخول رمضان ، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ، واكتفى أوّلا باشتهارهما في ذلك ، ثم صرح بالبيان لمّا التبس على بعضهم .
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ
من الفجر
إِلَى اللَّيْلِ
أي : إلى دخوله بغروب الشمس ، كما روي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم » « 2 » أي : دخل وقت إفطاره . تنبيه : إنما قدّرت في الآية الكريمة من الفجر ليدل على عدم جواز النية في النهار في صوم رمضان كما هو مذهب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ؛ ولأنّ إلى تكون المغيا بها ينقضي شيئا فشيئا ، والإتمام فعل الجزء الأخير فقط ، وهو ينقضي كذلك ، وفي الآية دليل على نفي الوصال ؛ لأنه تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشيء منتهاه ، وما بعدها يخالف ما قبلها .
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ
أي : نساءكم
وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ
أي : مقيمون
فِي الْمَساجِدِ
بنية الاعتكاف ، والمراد بالمباشرة الوطء ، والآية نزلت في نفر من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، كانوا يعتكفون في المسجد ، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ، ثم اغتسل ثم يرجع إلى المسجد ، فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم ، وفيه دليل على أنّ الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد ، وأن يكون في المسجد لا في غيره ؛ إذ ذكر المساجد لا جائز أن يكون لجعلها شرطا في منع مباشرة المعتكف لمنعه منها ، وإن كان خارج المسجد ويمنع غيره أيضا منها فيها ، فتعين كونها شرطا لصحة الاعتكاف ، وأنّ الوطء محرّم في الاعتكاف ويفسده ؛ لأنّ النهي في العادات يوجب الفساد ، أما ما دون الجماع من المباشرات فإن كان بشهوة فحرام ، ولا يبطل اعتكافه إن لم ينزل ، فإن أنزل وكان بلا حائل فكالجماع وإلا فلا ، فعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا اعتكف أدنى إليّ رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان » « 3 »
تِلْكَ
الأحكام المذكورة وهي قوله تعالى :
فَالْآنَ » بَاشِرُوهُنَّ
إلى قوله تعالى :
فِي الْمَساجِدِ
حُدُودُ اللَّهِ
حدها لعذابه ليقفوا عندها
فَلا تَقْرَبُوها
نهى تعالى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل ؛ لئلا يداني الباطل فضلا أن يتخطى عنه ، وهذا أبلغ من قوله تعالى في آية أخرى
فَلا تَعْتَدُوها
[ البقرة ، 229 ] ، لكن في ذلك مأمورات وهي لا ينهى عن قربانها ، فالمراد منها أضدادها بناء على أنّ الأمر بالشيء نهي عن ضدّه أو مستلزم له ؛ ليصح النهي عن قربانها ،
هامش
( 1 ) انظر الحاشية السابقة . ( 2 ) أخرجه البخاري في الصوم حديث 1954 ، ومسلم في الصيام حديث 1100 ، وأبو داود في الصوم حديث 2351 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الحيض حديث 297 ، وأبو داود في الصوم حديث 2467 ، والترمذي في الصوم حديث 804 .