تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
إذا ما الضجيع ثنى عطفها * تثنت فكانت عليه لباسا
والضجيع : المضاجع ، وما زائدة ، وثنى عطفها : أمال شقها ، وتثنت مالت ، والشاهد في قوله : فكانت عليه لباسا وقيل : إنّ كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور ، كما جاء في الخبر : « من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه » « 1 » .
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
أي : تظلمونها بتعريضها للعقاب ، وتنقيص حظها من الثواب بالمجامعة بعد العشاء كما وقع ذلك لعمر وغيره ، وقال البراء : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل اللّه هذه الآية .
فَتابَ عَلَيْكُمْ
أي : قبل توبتكم
وَعَفا عَنْكُمْ
أي : محا ذنوبكم ، ولم يمل أحد ألف عفا لأنه واوي
فَالْآنَ
أي : إذا نسخ عنكم التحريم
بَاشِرُوهُنَّ
أي : جامعوهنّ حلالا ، وسمى المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهما بصاحبه
وَابْتَغُوا
أي : واطلبوا
ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
أي : ما قسم لكم ، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة أي : لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع اللّه له النكاح من التناسل ، أو قصد العفة ، وقال مجاهد : ابتغوا الولد فإن لم تلد هذه فهذه ، وقال مقاتل : وابتغوا الرخصة التي كتب اللّه لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع . في اللوح المحفوظ ، وقيل : وابتغوا المحل الذي كتب اللّه لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم وقيل : هو نهي عن العزل لأنه في الحرائر . فقوله تعالى :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
أي : الصادق ، نزل في رجل من الأنصار ، قال عكرمة : اسمه أبو قيس ، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض وهو صائم فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر ، فقال لامرأته : قدّمي الطعام وأرادت المرأة أن تطعمه شيئا ، سخنا فأخذت تعمل له في شيء وكان في ابتداء الإسلام من صلى العشاء أو نام قبلها حرم عليه الطعام والشراب ، فلما فرغت من طعامه إذ هو قد نام وكان قد أعيا وكلّ ، فأيقظته فكره أن يعصي اللّه ورسوله ، وأبى أن يأكل ، فأصبح صائما مجهودا فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه ، فلما أفاق أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما رآه قال : « يا أبا قيس ما لك أمسيت طليحا ، فذكر له حاله فاغتم لذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه هذه الآية » « 2 » . وقد شبّه سبحانه وتعالى أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود ، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله : من الفجر عن بيان الخيط الأسود ؛ لدلالته عليه ويصح أن تكون من للتبعيض ، فإنما يبدو بعض الفجر ، وعلى كل منهما فهي مع مدخولها في محل الحال ، والمعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضا من الفجر وعلى البيان حال كونه هو الفجر . فإن قيل : كيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال : عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أقوم من الليل فلا يتبين لي الأسود من الأبيض ، فلما أصبحت غدوت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته فضحك وقال : « إن كان وسادك إذا لعريضا » « 3 » وروي : « إنك
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5 / 288 ، 300 ، بلظف : « من تزوج فقد أحرز شطر دينه » . ( 2 ) أخرجه الطبري في تفسيره 2420 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4509 ، وأبو داود في الصوم حديث 4509 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 142 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين