تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم ، فإنهم لا يضرونكم
وَاخْشَوْنِي
بامتثال أمري فلا تخالفوا ما أمرتكم به .
تنبيه : الياء هنا ثابتة في الرسم وهي في القراءة ثابتة وقفا ووصلا .
فإن قيل : أي حجة تكون لغير الذين ظلموا لو لم تحوّل حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين ؟ أجيب : بأنهم كانوا يقولون : ما له لا يحوّل إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة .
فإن قيل : كيف أطلق الحجة على قول المعاندين ؟ أجيب : بأنّ المراد بالحجة ما يتمسك به حقا كان أو باطلا كما قال تعالى :
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ
[ الشورى ، 16 ] وقوله تعالى :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أي : إلى الحق علة لمحذوف أي : وأمرتكم بذلك لإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أو عطف على علة مقدرة كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، قال « الكشاف » : وقيل : هو معطوف على لئلا يكون ، وجرى عليه البيضاوي والسيوطي . قال البيضاويّ : تبعا « للكشاف » وفي الحديث « تمام النعمة دخول الجنة » « 1 » أي : ورؤية اللّه تعالى وعن علي رضي اللّه تعالى عنه تمام النعمة الموت على الإسلام ، قال شيخنا القاضي زكريا : روى الحديث الترمذيّ وذكره مع الأثر بعده ربما يرجح العطف على المقدر .
وقوله تعالى :
كَما أَرْسَلْنا
إما متعلق بما قبله وهو أتم أي : ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في أمر الآخرة إتماما كإتمامها بإرسالنا
فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ
وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإما متعلق بما بعده وهو فاذكروني أذكركم أي : كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني
يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا
أي :
القرآن
وَيُزَكِّيكُمْ
أي : يطهركم من الشرك
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
أي : القرآن
وَالْحِكْمَةَ
أي : ما فيه الأحكام .
تنبيه : قدم هنا يزكيكم على يعلمكم باعتبار القصة وأخر في دعوة إبراهيم يزكيكم على يعلمكم باعتبار الفعل
وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
أي : بالتفكر والنظر إذ لا طريق لمعرفته سوى الوحي .
فَاذْكُرُونِي
بالطاعة كالصلاة والتسبيح
أَذْكُرْكُمْ
قال ابن عباس : بمعونتي ، وقال سعيد ابن جبير : بمغفرتي وقيل : اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدّة والبلاء كما قال تعالى :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ الصافات ، 144 ] . وفي الحديث عن اللّه تعالى : « أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، وإن تقرب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا ، وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 2 » . وفي رواية أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تعالى يقول : يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه ، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا ،
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3527 ، وأحمد في المسند 5 / 231 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 265 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 2965 .
( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7405 ، ومسلم في الذكر حديث 2675 .