مراعاة الجهة ، فإنّ في استقبال عينها حرجا عليه وجه ضعيف ، والحرام المحرم فيه القتال وممنوع من الظلمة أن يتعرّضوه .
وقوله تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ
من بحر أو برّ ، شرق أو غرب خطاب للأمة
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
في الصلاة
شَطْرَهُ
وكان تحويل القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين .
وقول البيضاوي : وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر ، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ، فسمي المسجد مسجد القبلتين فيه تحريف ، فإن ظاهره أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إماما في قصة بني سلمة وأنه تحول في الصلاة وليس كذلك ، فقد روى البخاريّ عن ابن عمر أنه قال : « بينما الناس يصلون في صلاة الصبح إذ أتاهم آت أي : من بني سلمة فقال :
إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة » « 1 » .
ولما تحوّلت القبلة قالت اليهود : وما هو إلا شيء يبتدعه محمد من تلقاء نفسه ، فتارة يصلي إلى بيت المقدس ، وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، فأنزل اللّه تعالى
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ
أي : التولي إلى الكعبة
الْحَقُّ
أي :
الثابت
مِنْ رَبِّهِمْ
لما في كتبهم من نعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أنه يحوّل إليها وقوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب للمؤمنين أي : وما أنا بغافل عن جزائكم وثوابكم ، والباقون بالياء على الغيب أي : عما يعمل اليهود أي : فأجازيهم في الدنيا والآخرة ، ففي الآية وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ، ولما قالت اليهود والنصارى ائتنا بآية على أنّ الكعبة قبلة نزل .
وَلَئِنْ
اللام موطئة للقسم
أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
أي : اليهود والنصارى
بِكُلِّ آيَةٍ
أي : برهان وحجة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق وقوله تعالى :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
جواب للقسم المضمر والمعنى أن تركهم اتباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو على مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من نعتك أنك على الحق .
تنبيه : كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل ، 1 ] وقوله تعالى :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
قطع لأطماعهم ، فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا منهم له وطمعا في رجوعه
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
أي : أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة ، فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب فيما هو فيه .
فإن قيل : كيف قال تعالى :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة ؟
أجيب : بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا لحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى :
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
خطاب مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 403 ، ومسلم في المساجد حديث 526 ، والنسائي في الصلاة حديث 493 .