تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
والتقدير
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ
بين لك
مِنَ الْعِلْمِ
بالوحي في القبلة
إِنَّكَ إِذاً
إن اتبعتهم
لَمِنَ الظَّالِمِينَ
أي : من المرتكبين الظلم الفاحش ، وفي هذا لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى وتهييج للثبات على الحق ، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه . قال البيضاوي من سبعة أوجه : الأوّل : الإتيان باللام الموطئة للقسم ، الثاني : القسم المضمر ، الثالث : حرف التحقيق أي : التأكيد وهي أن ، الرابع تركيبه من جملة اسمية ، الخامس : الإتيان باللام في الخبر أي : وهو من الظالمين ، السادس : جعله من الظالمين أي : تعريف الظالمين الدال على المعروفين ولم يقل إنك ظالم ، فإن في الاندراج معهم إيهاما بحصول أنواع الظلم ؛ لأنّ أل في الظالمين للاستغراق ، السابع : التقييد بمجيء العلم تعظيما للحق المعلوم وتحريضا على اقتضائه وتحذيرا عن متابعة الهوى واستفظاعا لظهور الذنب عن الأنبياء .
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
أي : علماؤهم
يَعْرِفُونَهُ
أي : محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لسبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين ، وقول البيضاويّ تتبعا للزمخشري وإن لم يسبق ذكره ممنوع ، وقيل : القرآن وقيل : التحويل ، ويدل للأوّل قوله تعالى :
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
أي : من بين الصبيان ، قال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لعبد اللّه بن سلام رضي اللّه تعالى عنه : كيف هذه المعرفة ؟ قال عبد اللّه : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أشدّ من معرفتي بابني فقال عمر : وكيف ذلك ؟ قال : لست أشك في محمد أنه نبي وأمّا ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر : وفقك اللّه تعالى يا ابن سلام فقد صدقت . فإن قيل : لم خص الأبناء من الأولاد ؟ أجيب : بأنّ الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ
أي : أهل الكتاب
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ
أي : صفته صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر الكعبة
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
ولا يظهرونه عنادا . وقوله تعالى :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
كلام مستأنف ، والحق إما مبتدأ خبره من ربك والمعنى أنه الحق أي : ما ثبت أنه من اللّه تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي : هذا الحق ومن ربك حال أو خبر ، بعد خبر والمعنى أنّ ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ما يزعمون
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
أي : من الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به أي : فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر وليس فيه نهي للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الشك فيه ؛ لأنه غير متوقع منه بل إما لتحقيق الأمر ، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، وإمّا أنّ المراد به أمته .
وَلِكُلٍّ
أي : أمة من الأمم
وِجْهَةٌ
أي : قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة
هُوَ مُوَلِّيها
وجهه في صلاته ، وقرأ ابن عامر وحده مولاها بفتح اللام وألف بعدها أي : هو مولى تلك الجهة قد وليها ، والباقون بكسر اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي : هو موليها وجهه كما مرّ تقديره أو اللّه تعالى موليها إياه
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
أي : بادروا إلى الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تنالوا به سعادة الدارين
أَيْنَ ما تَكُونُوا
أنتم وأهل الكتاب
يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
يوم القيامة ، فيجازيكم بأعمالكم
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيقدر على الإحياء والجمع .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 117 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين