والعفو مع كمال القدرة أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية فتنفذون بها إلى ما فوق السماوات العلى .
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ
لهب
مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ
ودخان قال :
تضيء كضوء سراج السليط * لم يجعل اللّه فيه نحاسا
أو صفر مذاب يصب على رؤوسهم . وقرأ ابن كثير « شواظ » بالكسر وهو لغة و « نحاس » بالجر عطفا على « نار » . ووافقه فيه أبو عمرو ويعقوب في رواية . وقرئ و « نحس » وهو جمع كلحف
فَلا تَنْتَصِرانِ
( 35 ) فلا تمتنعان .
شرح
فإنه يشعر بأن له في موقف الحساب آلاء متعلقة بالمساهلة في الحساب والعفو عن جرائم كثيرة ونحوها . وقوله : « مع كمال القدرة » مستفاد من قوله :يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِفيكون المذكور ثانيا من قوله :فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِبمنزلة التأكيد للأول . والآلاء المذكورة في الموضعين هي ما بينه بقوله : « من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو » هذا على تقدير أن يكون قوله تعالى :إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوابمعنى إن قدرتم أن تخرجوا من جوانبها فارين من قضائه . وأما إن كان معناه إن قدرتم أن تخرجوا من جوانبها لتعلموا ما فيها من عجائب صنع اللّه ، فحينئذ يكون المراد بالسلطان البينة المؤدية إلى العلم وبالآلاء ما نصبه اللّه من المصاعد العقلية والنقلية ، ويكون قوله :يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِمسوقا لبيان علو شأنه وسعة ملكه والامتنان بما نصبه من المصاعد الكفرية والنقلية تقريرا لكون وجهه ذا الجلال والإكرام . والمعشر الجماعة العظيمة سميت به لبلوغها غاية الكثرة فإن العشر هو العدد الكثير الكامل الذي لا تعدد بعده إلا بتركيبه بما فيه من الآحاد تقول : أحد عشر واثنا عشر وعشرون وثلاثون أي اثنا عشرات وثلاث عشرات ، فإذا قيل : معشر فكأنه قيل : محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة . قوله :
( تضيء كضوء سراج السليط الخ ) استشهاد لكون النحاس بمعنى الدخان . والسليط هو الزيت عند عامة العرب وعند أهل اليمن هو دهن السمسم . كذا في الصحاح . وفيه أيضا النحاس دخان لا لهب فيه ، وأنشد البيت . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن المراد به هو الصفر المعروف يذيبه اللّه تعالى ويصبه على رؤوسهم . قرأ ابن كثير « شواظ » بكسر الشين والباقون بضمها وهما لغتان بمعنى .
قوله : ( ونحاس بالجر عطفا على نار ) أي وقرأ ابن كثير و « نحاس » بالجر عطفا على « نار » وهو ضعيف لأنه لا يكون شواظ من نحاس سواء كان النحاس بمعنى الدخان أو الصفر المذاب . وقيل : هو توجيه لقراءة الجر وتقدير الكلام : شواظ من نار وشيء من نحاس ،