يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه السّلام ربه وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي فيه
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
( 3 ) أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله ، والمراد به مكة .
شرح
ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : الطور الجبل وسينين الجسر بلغة الحبشة . وعن مجاهد :
سينين المنازل . وقال الكلبي : هو الجبل ذو الشجر . وقال مجاهد ومقاتل : كل جبل ذي شجر مثمر سينين وسيناء بلغة النبط . قوله : ( من أمن الرجل ) يأمن بضم الميم فيهما فهو أمين أي آمن بمعنى ذي أمن وهو الأمانة يقال : أمنت فأنا آمن ، فالأمين فعيل بمعنى فاعل ، وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه . قوله : ( أو المأمون فيه ) عطف على قوله : « أي الآمن » فالأمين فعيل بمعنى المفعول فيه كالمشترك بمعنى المشترك فيه . أقسم اللّه تعالى بهذه الأشياء لأنه شرفها وبركها ولأنها مساكن الأنبياء والصالحين ومهاجر إبراهيم ومولد إسماعيل عليه الصلاة والسّلام ، ومنشأه بمكة موضع البيت العتيق ومولد خير الأنبياء ومبعثه وجواب القسم قوله :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍأي تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه . فإن التقويم تيسير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في تأليف الأجزاء وتعديل الأعضاء والهيئات والأشكال ، وتكميله بالقوى الباطنة التي يتوسل بها إلى الفضائل العلمية والآداب والأخلاق المرضية يقال : قومه تقويما فاستقام وتقوم . روي أن ملكا من الملوك خلا بزوجته في ليلة قمراء فقال لها : إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا .
فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى قال : لا يحنث . فقال الملك : خالفت شيوخك . فقال :
الفتوى بالعلم لا بكبر السن ، ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو اللّه تعالى فقال :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍوكان بعض الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال . وهو العفو عن الذنوب والتجاوز عن العيوب .
وقيل : كان عيسى بن موسى الهادي يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما : أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر . فنهضت واحتجبت وقالت : طلقتني . فباتا بليلة عظيمة . فلما أصبح عدا إلى دار المنصور فأخبر الخبر وأظهر له جزعا عظيما ، فاستحضر المنصور فقهاء زمانه واستفتاهم فقال جميع من حضر : قد طلقت ، إلا رجلا من أصحاب أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، فإنه كان ساكتا فقال المنصور : ما لك لا تتكلم ؟ فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيموَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِإلى قوله :لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍثم قال : يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن المخلوقات ولا شيء أحسن منه فلم تطلق امرأة الرجل . فقال المنصور لعيسى بن موسى : الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك وأرسل إلى زوجته : أن أطيعي زوجك ولا تعصيه فما طلقك .