وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة . وقيل هو استثناء من قوله فذكر أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض ، ويؤيد الأول أنه قرىء « ألا على » التنبيه ،
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
( 25 ) رجوعهم . وقرىء بالتشديد على أنه فيعال مصدر « أيب » فيعل من الإياب ، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإدغام
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
( 26 ) في المحشر وتقديم الخبر
شرح
أنه استثناء من الضمير في « عليهم » أي لست عليهم بمسيطر إلا على من تولى عن الإيمان وكفر ، فإنك مسلط عليه بما يؤذن لك من قبله . ولما استشعر أن يقال : إن الإيمان من أعمال القلب فتسلطه عليه السّلام عليهم بإكراههم على الإيمان تسلط على القلب بأن يقبل الإيمان ، وذلك ليس في وسع البشر إذ لا يستولي على القلب أحد غير اللّه . أجاب عنه بأن الاستيلاء على جهاد الكفار وقتلهم بمنزلة الاستيلاء عليهم لقبول الإيمان لكونه من الأسباب المؤدية إلى الإيمان . قوله : ( وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا ) جواب عما يقال من أن السورة مكية وأنه عليه الصلاة والسّلام ما كان مأذونا بالقتال إلا بعد الهجرة ، فكيف يصح حمل الكلام على الاستثناء المتصل المستلزم لأن يكون المعنى أنت مسلط على من تولى عن الإيمان منهم ؟ ومحصل الجواب أن الكلام وارد على طريق الوعد له عليه الصلاة والسّلام بإذنه للقتال والوعيد للكفار المعاندين لا على طريق الإخبار بأنه عليه الصلاة والسّلام مسلط عليهم في المال . قوله : ( أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر ) الظاهر أن « من » هذه موصولة و « تولى » صلتها و « كفر » عطف عليه والفاء في « فيعذبه » سببية دالة على أن التعذيب مرتب على التولي والكفر . فسر قوله تعالى :« فَيُعَذِّبُهُ »بقوله : « فاستحق العذاب الأكبر » وهذا المتولي عن الإجابة لما لم ينفعه التذكير صار بمنزلة من لم يذكره عليه الصلاة والسّلام ، فلذلك استثنى من جملة من أمر عليه الصلاة والسّلام بتذكيره . قوله : ( ويؤيد الأول ) وهو أن يكون الاستثناء منقطعا على معنى لكن اللّه هو المسيطر عليهم فيعذبهم ، ووجه التأييد ظاهر وهو يوافق المعنيين حينئذ بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلا . قوله :
( وقرىء بالتشديد ) والجمهور على تخفيف ياء « إيابهم » على أنه مصدر آب يؤوب إذا رجع .
وقرىء بتشديد الياء وذكر لها وجهين : الأول كونه مصدرا على وزن فيعال من أيب على وزن فيعل نحو : حوقل حيقالا وسيطر سيطارا أصله إيواب ، فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء فصار إيابا . والثاني كونه مصدرا على وزن فعال نحو : كلم كلاما أصله أوواب قلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، كما في ديوان أصله دووان ، فصار إيوابا ، ثم فعل ما مر فصار إيابا . وقوله : « تارة من الإياب وتارة من الأوب » لمجرد التفنن لأن كل واحد من الأوب والإياب مصدر آب بمعنى رجع