تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
بمعنى جنيت لك . أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيد المتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع لا في المباشرة وعدمها ، ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره .
أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
( 4 ) فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح فكيف بمن تيقنه . وفيه إنكار وتعجب من حالهم .
شرح
والأصل جنيت لك أي لأجلك نوعين من الكماة من أجودها . فإن أكمؤا جمع قلة واحدها كمء والكمأة جمع كثرة لكمء أيضا على غير القياس ، والتنوين في أكمؤا للتعظيم . والعساقل ضرب من الكماة الواحدة عسقول وهي الكماة الكبار البيض التي يقال لها شحمة الأرض . وبنات الأوبر كماة صغار مزغبة على لون التراب وهي أردأ أنواع الكماة والزغب الشعرات الصغار من ريش الفرخ . قوله : ( ولا يحسن جعل المنفصل تأكيد المتصل ) أي لا يحسن أن يكون كلمة « هم » في الموضعين ضميرا مرفوعا منفصلا مؤكدا للضمير المتصل في « كالوا » أو « وزنوا » العائدين إلى المطففين لوجهين : الأول أن المقصود من الآية بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع وأنهم حال الأخذ يستوفون وحال الدفع يخسرون وينقصون . وعلى تقدير أن يجعل المنفصل تأكيدا للمرفوع المتصل يفوت هذا المقصود ويكون أول الكلام دالا على أنهم يستوفون حال الأخذ ، ويكون ما بعده دالا على أنهم إذا تولوا الكيل والوزن هم بأنفسهم على الخصوص اخسروا ، وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل وهو الاكتيال والكيل لا في المباشر . والوجه الثاني أن الضمير لو كان مرفوعا مؤكدا للمنفصل لوجب أن يكتب الألف بعد واو الجمع في إمام المصاحف كما هو الأصل في أمثاله مثل : قعدوا هم وقاموا هم ، وهذا الوجه ضعيف لأن رسم المصحف كثيرا ما يخالف القياس المقرر في علم الخط . قوله : ( وفيه إنكار وتعجب من حالهم ) في الاجتراء على التطفيف والإنكار مستفاد من صورة الاستفهام ، فإن « ألا » هنا ليست للتنبيه بل هي همزة الاستفهام دخلت على « لا » النافية فأفادت الإنكار على انتفاء ظنهم ، والتعجب مستفاد من ذكر الظن في موضع ذكر اليقين والإنكار على انتفائه ، فإن الواجب على العاقل أن يتيقن البعث والجزاء لتعاضد الدلائل العقلية والنقلية عليه ، وأن لا يتجاسر على ما يوجب الافتضاح والخجالة على رؤوس الأشهاد في يوم الحساب وإن لم يتيقن به فلا أقل من أن يظنه ، ومن تجاسر عليه يرى من ظاهر حاله أنه لا يظن البعث والحساب ولا يخطر بباله فضلا عن التيقن به ، فإن الظن كاف في حصول الخوف الموجب للامتناع عن التطفيف ونحوه وعدم امتناعه عنه يدل على أنه لا يظن ذلك ،