وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ
( 18 ) تعجيب وتفخيم لشأن اليوم أي كنه أمره بحيث لا تدركه دراية دار .
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
( 19 ) تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالا . ورفع ابن كثير والبصريان « يوم » على البدل من « يوم الدين » أو الخبر المحذوف . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ سورة انفطرت كتب اللّه له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة » .
شرح
العبد هم بمعصية أو بحسنة ؟ قال : إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح النتن . ومحصول كلامه أنّا لا نسلم أن أفعال القلوب بالنسبة إلى الملائكة من قبيل المغيبات التي لا يعلمها إلا اللّه بل هي بالنسبة إليهم مما نصب عليه دليل .
ثم إنه تعالى بعد أن وصف الكرام الكاتبين لأحوال العباد ذكر العاملين فقال :إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍوالمراد نعيم الجنة وجحيم النار الموقدة ويَصْلَوْنَهاأي يدخلونها صفة الجحيم أو حال من المنوي في الخبر ويَوْمُ الدِّينِظرف ليصلونها . ولما بيّن أنهم يقاسون حرها يوم القيامة بيّن أنهم مخلدون فيها ولا يخرجون منها فقال :وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَويجوز أن يكون معناه يصلونها يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم .
قوله : ( تعجيب وتفخيم ) يعني أن قوله تعالى :وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِتعظيم لذلك اليوم ، ثم كرر تعجيبا للمخاطب وتفخيما لشأن اليوم وقوله : « لا تدركه دراية دار » إشارة إلى أن ما أدراك خطاب عام . وقيل : إنه خطاب له عليه الصلاة والسّلام خاطبه بذلك لأنه ما كان عالما بذلك قبل الوحي . وقيل : الخطاب للكافرين زجرا لهم وتهديدا . قوله : ( تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالا ) فإن اليوم الذي لا ينفع المرء فيه إلا الإيمان والطاعة ولا تستطيع نفس أن تنفع نفسا ولا أن تدفع عنها ضررا ، كيف يكون فيه حال من خالف الملك الجبار وعصاه ؟ قرأ الجمهور « يوم لا تملك » بفتح الميم . ثم اختلفوا في أنها فتحة إعراب أو فتحة بناء ؟ فمن قال إنها حركة إعراب ذكر لنصبه وجوها : أحدها أن تكون بدلا من « يوم الدين » في قوله : « يصلونها يوم الدين » . وثانيها أن تكون ظرفا لفعل محذوف يدل عليه الدين أي يدانون ويجازون في ذلك اليوم . وثالثها أن يكون منصوبا « باذكر » أو أعني فيكون مفعولا به .
ومن قال إنها فتحة بناء قال : إنما بنى لإضافته إلى الجملة وما أضيف إلى غير المتمكن يبنى على الفتح . وقوله : « أو الخبر » أي أنه في موضع الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو يوم لا تملك . فإنه لما قيل :وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِأخبر عنه بأنهيَوْمَ لا تَمْلِكُ .تمت سورة الانفطار بحمد اللّه وعونه وحسن توفيقه .